من هو أول من نَظّر للعلمانية من فقهاء المسلمين؟

من هو أول من نَظّر للعلمانية من فقهاء المسلمين؟

هل تعلم أخى الكريم اسم الفقيه وكيف نَظّر للعلمانية؟ وكيف طار العلمانيون بكلامه كل مطار؟

الفقيه المذكور نَظّر للعلمانية بقوله أن العبادات مبنية على النص والمعاملات مبنية على المصلحة…فهو يقدم المصلحة المطلقة على جميع النصوص الشرعية في المعاملات أى اعبد ربك كما تشاء وفقاً للنص وما عدا ذلك فيخضع للمصلحة !!!!
وهذا أقصى ما يطمع فيه العلمانيون من أى فقيه !

وغفل هذا الفقيه أو تغافل عن أن الأصل اتباع النص ، ففيه كل المصلحة ، مصلحة الدنيا و مصلحة الآخرة ، وكل من عارض نصا بمصلحة أو هوى أو ما شابه فهو ضال مضل.

قال تعالى : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمره).

وهذه المقالة قول خطير وشاذ ومخالف بل ويهدم أهم أصل من أصول التشريع ، حتى وإن كان لم يقصد هذه النتيجة إبتداءاً!

فإننا نرى بعض من ضاق ذرعا بالنصوص يتبنى هذه المقالة، ويكثر ترداد المصلحة المرسلة!
يريدون بذلك نسخ أحكام لا توافق هواهم بمصالح مرسلة  مظنونة أو متوهمة!
والحق الذي نؤمن به أنه حيث وجد الشرع والنصوص فثم المصلحة، فطن لذلك من فطن وتعامى عنه من تعامى!

 

 

وأول من ابتدع تقديم المصلحة على النص هو إبليس

 

في قصة آدم وحواء وإسكانهما الجنة وسوس إليهما (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ  فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) فقدما مصلحتهما في الخلد وملك لا يبلى على نص التحريم للشجرة (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ)

 


نعود إلى الفقيه الذي نظر لما ذكرناه:


هذا الفقيه هو سليمان بن عبدالقوي نجم الدين الطوفي الحنبلي المتوفى سنة 716هـ
يقول الطوفي في كتابه ( التعيين في شرح الأربعين ) ص237 -280 عند شرح حديث (لاضرر ولاضرار) :
)…ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فيؤخذ من أدلته ، لأنّا نقول: قد قدرنا أن رعاية المصلحة في أدلة الشرع ،وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المصالح

 


ثم إن هذا يقال في العبادات التي تخفى مصالحها على مجاري العقول والعادات ،أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل ،فإنا رأينا دليل الشرع متقاعداً عن إفادتها،علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها ،كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أنّا أحلنا بتمامها على القياس ، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بجامع بينهما(

ويُضيف على حجية المصلحة وتقديمها على النص بزعمه مستدلاً على ذلك بوجوه منها:

 

1-    منكرو الإجماع قالوا برعاية المصالح ،فهو إذاً محل وفاق ، والإجماع محل خلاف ،والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه!!!.

 

2-    النصوص مختلفة متعارضة !!!، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً ، ورعاية المصالح أمر (حقيقي في نفسه) ,ولا يُخْتَلَفْ فيه ، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً ، فكان اتباعه أولى!!
وقد ذكر الطوفي في شرحه أن الأدلة عند الأصوليين تسعة عشردليلا ثم ذكرها (الكتاب والسنة والإجماع …ثم قال … وهذه الأدلة التسعة عشرأقواها النص والإجماع ، ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها فإن وافقاها فبها ونعمت ولا نزاع إذ قد اتففت الأدلة الثلاثة على الحكم وهي النص والإجماع و رعاية المصلحة المستفادة من قوله صلى الله عليه وسلم (( لا ضرر ولا ضرار))
وإن خالفاها : وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما لا بطريق الافتيات عليهما والتعطيل لهما ، كما تقدم السنة على القرآن بطريق البيان .

 

وتقرير ذلك : أن النص والإجماع إما أن لايقضيا ضررا ولا مفسدة بالكلية أو يقضيا ذلك  فإن لم يقضيا شيئا من ذلك فهما موافقان لرعاية المصلحة ،وإن اقتضيا ضررا فإما أن يكون مجموع مدلوليهما أو بعضه ، فإن كان مجموع مدلوليهما  ضرراً فلا بد أن يكون من قبيل ما استثني من قوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضرر ولاضرار )) وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات وإن كان الضرر بعض مدلوليهما فإن اقتضاه دليل خاص اتبع الدليل فيه ، وإن لم يقتضهما خاص وجب تخصيصهما بقوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضرر ولا ضرار ))  ولعلك تقول : إن رعاية المصلحة المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضرر ولا ضرار )) لا تقوى معارضة الاجماع لتقضي عليه بطريق التخصيص والبيان لأن الاجماع دليل قاطع وليس كذلك رعاية المصلحة لأن الحديث الذي دلَّ عليهما واستفيدت منه ليس قاطعا فهي أولى ))

 


– قام البعض من الحنابلة وغيرهم بالدفاع عن الطوفي وذكروا أنه يخصص عموم النص بالمصلحة ولكن كلامه واضح أنها مقدمة على النص لأنها دليل مستقل بل أقوى الأدلة عنده وتقدم على غيرها …

وهذا يؤيده قوله ( ولايقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فيؤخذ من أدلته،لأنا نقول : قد قررنا أن رعاية المصالح من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المصالح) اهـ.

وهذا الذي فهمه العلماء المنصفون من كلام الطوفي ولذلك ردوا عليه.

وأما قوله (وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان) فلا يدل على أنه لايقدم المصلحة على النص ، بل هو يقول إن تقديم المصلحة على النص هو ما تدل عليه الأدلة الشرعية ، وهو ما تكلف في إثباته في شرحه على الأربعين وأطال في ذلك فيما يقترب من خمسين صفحة .
من ذلك يتبين لنا بصورة قاطعة أن الطوفي يقرر أن الأدلة الشرعية تدل على تقديم المصلحة على النص -انطلاقا من فهم خاطئ لحديث (ضعفه كثير من العلماء) (لاضرر ولا ضرار(

 

 

مثلا لو وجدنا نصا من الشرع على تحريم شيء معين ، ولكن المصلحة تقتضيه فإنا نجيزه لأن الشرع يأمر بالمصلحة في مجمل أدلته ، وكون هذا النص يحرم هذاالشيء يمكن أن نخصص هذا النص بالمصلحة ، وهكذا أي أنه يجعل مصدر التشريع فى أحكام المعاملات إنما هى المصلحة ولو خالفت نصاً ولو كان قطعياً وهذا عين قول العلمانيين !

 

بل الصالح والحسن والنافع أسماء لشئ واحد .

 

فلا معنى لقول القائل بتقديم المصلحة على النص , لأن ما ثبت أنه مصلحة – خالصة أو راجحة – فهو مشروع منصوص بنص الكتاب والسنة – نصا عاما ، فإن الله يأمربالعدل والإحسان وأمر الناس بالطاعة والتقوى لعلهم يفلحون.
ولا معنى لتقديم الطوفي المصلحة على الإجماع ، لأن التعارض بينهما أبدا لن يقع . فكل ما أجمع عليه المسلمون فهو صالح ! .

 

ــ جعل الطوفي المصالح كلها على درجة واحدة، حتى صار يتكلم في جلب المصلحة المظنونة بكلام لا يقال إلا في دفع الضرر المتيقن!!

والضرورة في الشرع إنما تقدر بقدرها!

والضرورة ليست هي المصلحة أو الحاجة وأكل الميتة لا يبرره الحاجة أو المصلحة المظنونة أو المتوهمة أو حتى المتيقنة!

 

ولكن من الضرورات التي تبيح المحظورات! والمصلحة لن تكون إلا حيث يكون الشرع!

فعند التأمل فإننا لا نجد المصلحة إلا في النص وبوفق النص، وأما الضرر فيقدر بقدره، وهذا أيضا بالنص والإجماع، فلا يبقى للطوفي شيء يصح إطلاق اسم المصلحة عليه مما ينطبق عليه كلامه ، وعندما نعرف أن المنصوص والصالح وجهان لعملة واحدة ، فالكلام عن تقديم أحدهما على الآخر باطل لكن لا بد من تحرى المنصوص والصالح . فإنما نشأ الغلط من اعتبار ما ليس بمنصوص منصوصا وما ليس بصالح صالحا ب  يستدل بالنص على المصلحة.


أما قوله : ويشهد لذلك من السنة النبوية :
ــ ترك هدم الكعبة وبائها على قواعد ابراهيم وهو أمر مشروع لكن قدمت عليه المصلحة

ــ ترك قتل رأس المنافقين ابن سلول وهو أمر مشروع بل وأي قربةهو ولكن قدمت عليه المصلحة

نقول :

هذه الوقائع ثبتت بالنصوص فكيف يحتج بالشيء على نفسه
فهذا يذكرني بمن يستدل على القياس بحديث قضاء الدين

شدد العلماء المعاصرين الإنكار  على الطوفي في دعواه وفي عصور تالية :


وممن رد على الطوفي أيضاً وبين بطلان ما ذهب إليه في عصرنا الشيخ محمد أبوزهرة فى كتابه ابن حنبل، ص311 حيث قال ((…لم نجد من يجوز تخصيص النصوص بكثرة، و نسخ بعضها بالاجتهاد إلا بعض الشيعة كالشيعة الامامية ، فانهم لم ينهوا النسخ و تخصيص النصوص بانتقال النبى (صلى الله عليه و سلم) إلى الرفيق الأعلي، بل أجازوا لأئمتهم مخالفتها بعلوم تلقوها، و لقد وجدنا الطوفي يقاربهم لأنه جعل المصلحة تنسخ النصوص و تخصها، فأحل المصلحة محل الأئمة، و التقى الرأيان فى أن النص بعد الرسول لا يزال قابلا للنسخ و الإخراج من عمومه إن وجدت مصالح على مسلك الطوفى أو رأى الامام على مذهب الشيعة……..
و على ذلك نقرر أن مهاجمته للنصوص و نشر فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح المرسلة، هى أسلوب شيعى أريد به تهوين القدسية التى يعطيها أهل السنة لنصوص الشارع، والشيعةالإمامية يرون أن باب النسخ و التخصيص لم يغلق، لأن الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس فى الدنيا و الآخرة. وأدرى الناس بذلك الإمام، فله أن يخصص كما خصص النبى صلى الله عليه سلم ، لأنه وصى رسول الله أوصيائه ، وقد أتى الطوفى فى رسالته بالفكرة كلها ،‌ إن لم يذكر كلمة الإمام ليروج القول وتنتشرالفكرة… أ.هـ
ومن الجدير بالذكر أن الشيعة لايأخذون بالمصلحة المرسلة ، لكن ظاهر كلام أبي زهرة أنه ينسبه للطوفي فقط دون الشيعة ولكنه اعتبره أسلوب شيعي .

وفي مقالات زاهد الكوثري أيضا رد على الطوفي بل ذكر أن الطوفي أول من قال بهذا الأمر.


وكذلك رد عليه أصحاب رسائل معاصرة حول هذه المسألة منها (المصلحة في التشريع ونجم الدين الطوفي) للدكتور مصطفى زيد، ومنها (نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي) للدكتور حسين حامد ، وغيرهم وهناك ردود أخرى سأذكرها لاحقاً

أقول أيضاً :

1ـ قول الطوفي (و مما يدل على تقديم رعاية المصلحة علي النصوص و الإجماع علي الوجه الذي ذكرنا وجوه)

وقوله ( إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع ويلزم من ذلك أنها من أدلة الشرع لأن الأقوى من الأقوى أقوى ، ويظهر ذلك من الكلام في المصلحة والإجماع( .
يدل القولان على أنه لا يتحدث عن المصلحة المرسلة التي يوافقه بعض الفقهاء فيها فقط بل يقول أيضاً (…واعلم أن هذه الطريقة التي قررناها – مستفيدين لها من الحديث المذكور-ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك بل هي أبلغ من ذلك وهي التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام .

وتقرير ذلك أن الكلام في أحكام الشرع إما أن يقع في العبادات والمقدرات ونحوها أو في المعاملات والعادات وشبهها فإن وقع في الأول اعتبر فيه النص والإجماع ونحوهما من الأدلة…..).

القول الجامع أن النصوص الشرعية لا تهمل مصلحة قط !

لعل الطوفي تأثر أولاً بنظرية الإستحسان للمالكية القائمة على تخصيص النصوص بالمصلحة أي ترجيح المصلحة على عموم النص. فاستحسان المالكية وإن لم يشمل النص كله الا ان المناط واحد.

 


2 ـ سبق للغزالي ان أجاز ترجيح المصلحة على حكم النص والاجماع لو تعارضا، معتبراً هذا الترجيح أو التخصيص لا يتم الا طبقاً لثلاثة شروط؛ هي ضرورية المصلحة وقطعيتها وكليتها. فالغزالي فتح الباب – ولو بشروط – مما مهد الطريق وجرأ الطوفي على ما ذهب إليه .

 


3 ـ مبالغة بعض الفقهاء كالشاطبي في كتابه (الموافقات) وإسرافه في الكلام عن المصلحة مع ما سبقه به الطوفي مهد الطريق لبعض الفقهاء المتلاعبين لترجيح المصلحة وأنها بزعمهم هي المقصد الذي تلجأ اليه الشريعة في جميع أحكامها.

 

4-هناك عدد من المقالات التي أطلقها بعض الفقهاء مثل الزعم بتأثير الزمان والمكان على تغيير الأحكام، وتبنيهم أحياناً بعض الفتاوى التي تختلف كلياً عن أحكام النصوص بدعوى أن هذه الأخيرة كانت تعالج وضعاً خاصاً ضمن ظروف معينة لا يليق تمديدها عبر الزمان والمكان.

 

كذلك مقالتهم في جواز تشريع ولي الأمر ما يناسب اعتبارات المصلحة حتى ولو اختلف في ذلك عن السياسة النبوية لتغير الظروف.


فبإضافة هذه الأمور بعضها إلى بعض تصبح النتيجة التي جاء بها الطوفي لها جذورها عند تلك المنطلقات المذهبية التي زخر بها بعض التراث الفقهي المذهبي لأهل الرأي ولولاها لكان من الصعب تصور ان يكون لهذا الفقيه الحنبلي من القدرة والجرأة على ان يصل لمثل ما وصل اليه من نتائج !

 

 

5-ممن ذهب إلى تقديم المصلحة مطلقاً على النصوص في عصرنا الحاضر الشيخ محمد عبده والباقورى وزير الأوقاف المصري السابق وتبعهم بتوسع شديد محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهرالسابق ومفتى مصر على جمعة وبعض الأزهريين
ولحق بهم أتباع سلفية اٌسكندرية كياسر برهامى حيث تعاون مع الانقلاب العسكري الفاشي المجرم وبارك قتل خصومه من افسلاميين لمصلحة الدعوة !
نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة .

 

6-أهل الباطل بعضهم قدوة لبعض فنجد الخميني إمام الرافضة يحسد غلاة أهل الرأي والمصلحة على ما وصلوا إليه فأجري تطويراً كبيراً على الفقه الرافضى وضوابطه ، فأعاد ما سبق ان انفرد به الطوفي في التعويل على المصلحة وترجيحها على حكم النص ضمن القرارات التي اتخذتها دولته الرافضية بل اعتبره أتباعه صاحب طريقة جديدة في الإجتهاد لم يسبق لها غيره من علمائهم لا سيما وأنه أقرّ بتأثير الزمان على عملية الإجتهاد وتقرير الاحكام … فمن المعلوم أن فقهاء الشيعة ينكرون العمل بالمصلحة (الظنية) ولا يقرون مرجعيتها حتى بحدود ما لا نص فيه، لكن الحال لدى الخميني مختلف تماماً، إذ أخذ على عاتقه مبدأ العمل باعتبارات المصلحة الخاصة بحفظ النظام مقدماً إياها على غيرها من الأحكام والأدلة الشرعية، وعلى رأسها أحكام النص.
فنجد الخميني يحدد مجال الأخذ بالمصلحة وترجيحها بتقييد المصلحة بحدود نظام الحكم السياسي وترجيحها على النص فقد دعا إلى تكوين مجلس فقهي لتشخيص مصلحة النظام، بعيداً عن النص وسائر اعتبارات الأدلة التقليدية وأصدر فتوى عام (1988م) أعرب فيها عن أن الحكومة الإسلامية تمثل (سلطة السيادة المطلقة التي وكلها الله سبحانه وتعالى إلى الرسول وأن هذا أهم حكم من الأحكام الإلهية، وله أسبقية على كل الأحكام الإلهية الثانوية). وأضاف قائلاً: (لو حددت سلطات الدولة الإسلامية داخل إطار الأحكام الإلهية الثانوية فإن شكل الحكم الإلهي والسيادة المطلقة التي أنيبت إلى الرسول سيكون ظاهرة جوفاء لا معنى لها) . فهذا هو مبرر التعويل على المصلحة الواقعية .
فاستطاع الخميني ترجيح المصلحة على النص بنظرية ( نائب الإمام ) والتي تعطيه صلاحيات واسعه بنسخ الأحكام وتعديلها.
فهم بزعمهم يقولون أن أي إمام من الأئمة الإثنا عشر له الصلاحيات الكاملة في نسخ تشريع من سبقة منالأئمة بمن فيهم رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وبما أن الخميني ينوب عن الإمام فيستطيع نسخ تشريع ما قبله حتى ظهور الإمام الـثاني عشر والذي يقوم هو بدور الناسخ لجميع من سبقه.
بهذا يتبين مدى الاتفاق الذي يجمع بين الطوفي والخميني، وهو ما انفردا به من ترجيح المصلحة على النص عند تعارضه معها في زعمهما أي انهما أجازا تغيير حكم النص بهذه المصلحة المتوهمة.
8- واجه فقهاء السلطان المنتسبين إلى السنة مثل هذه الأمور فقد ظهرت مستجدات غربية فرضت نفسها على بلادهم بفعل الغزو الصليبي وأعوانه فأضحت مقالة الطوفي التي رفضها أسلافهم في القرن السابع الهجري تكأة لكل من ضاق ذرعا بالنصوص وأراد تمرير فتوى أو تبرير سياسة لحاكم يريدون بذلك نسخ أحكاما لا توافق هواهم وهوى أسيادهم بمصالح مرسلة مزعومة!

 

 

8-أيضاً صارت مقالة الطوفي محل اعتبار الدول الاسلامية في القرن الثالث عشر الهجري بما فيها المملكة السعودية فيذكر ديوان المظالم هناك الوظيفة العامة في حكمه رقم 7/ ت لعام 1400 هـ بالآتي : ( الوظيفة العامة – تكييفها- الوظيفة ولاية معينة غايتها الصالح العام – بيان ذلك : إن ولي الأمر حين يسند ولاية معينة إلى موظف ما فإنه يستهدف من وراء ذلك تحقيق الصالح العام، ومن ثم وجب على الموظف وهو يباشر أعمال وظيفته أن يتوخى العناية والحرص في أدائها تحقيقاً للمصلحة العامة والعمل على كل ما من شأنه عدم الأضرار بتلك المصلحة التي هي هدف الوظيفة وغاية كل عمل عام ….(
فالتعبير واضح جداً أن المصلحة هي هدف الوظيفة العامة وغاية كل عمل عام .
قد لا يكفي هذا في نظرك لإثبات تبنيهم نظرية الطوفي….اقرأ التالي:
– بين ديوان المظالم أساس صدور القرارات الإدارية برمتها – في حكمه رقم 121/ت/3 – 1412هـ بالمبدأ التالي : ( رفض الدعوى المقدمة من المدعى بالمطالبة بإلغاء قرار البلدية المدعى عليها … على أساس أن قرارات الإدارة تصدر بقصد تحقيق الصالح العام وتسيير المرافق العامة….)
لم يقل (…بقصد تطبيق الشريعة الاسلامية(
– في حكم لديوان المظالم برقم 32/ ت لعام 1399 هـ يقول : ( …. فقد غاب عن الوزارة المدعي عليها أن ديوان المظالم حين يتصدى للفصل في المنازعات التي تثور بين جهات الإدارة المختلفةوالأفراد – كما هو الحال في الخصوصية المعروضة – إنما يفصل فيها ليس باعتباره قاضياً عادياً وإنما باعتباره قاضياً إدارياً مهمته الفصل فيما ينشأ من منازعات إدارية بين الإدارة والأفراد، ومهمة القضاء الإداري ليست سهلة ميسورة فهو بحسب طبيعة اختصاصاته يفصل في نزاع بين طرفين ليسا علي حد سواء من حيث تساوي المصالح فأحد طرفي المنازعة وهي الإدارة تمثل المصلحة العامة والطرف الآخر فيها هو الفرد من الناس يمثل المصلحة الخاصة . والتوفيق بين سلطة الإدارة وما تمليه المصلحة العامة التي تقوم عليها المنازعة الإدارية وبين مصالح الأفراد الخاصة يحتاج إلى دراية وخبرة موفورة ونظرة ثاقبة ويعتبر علي درجة كبيرة من الدقة والحساسية وهو من الأساسيات لحماية المجتمع من العسف والانحراف وتحقيق الاستقرار والطمأنينة ويتوقف نجاح القضاء الإداري في مهمته الدقيقة المنوط به علي حكمته ودرايته بمستلزمات حسن الإدارة وتوفير الانسجام والتناسق بين السلطة العامة ورعاية حقوق الأفراد ومراكزهم القانونية أو النظامية) …………… فالحديث في هذا الحكم ومثله يدور برمته عن مصالح لا غيرها ، عامة أو خاصة ، ولم يقل أن الهدف من الحكم تطبيق الشريعة الإسلامية
ــ بحكم ان نظريات العمل الحكومي برمته من صناعة الفقه والقضاء الفرنسيين – فانه حتى حالات اجتهاد ديوان المظالم السعودى – عندما يعرض عليه حالة من حالات أعمال الدولة ، لم يتقرر حكمها بنص في نظام ، فان ديوان المظالم – لا يذهب للاجتهاد بحكم من الفقه الإسلامي ، إنما يذهب للفقه الإداري الفرنسي !
فقد ساد هذا الفقه أعمال كل دول العالم بأسرها ،وأصبح الفقه الوحيد الذي يحكم أعمال الدولة الإدارية برمتها – في العالم المعاصر ،وفي هذا الصدد حكم ديوان المظالم في حكمه رقم 4/د/2 لعام 1400هـ ما يلي :
إن المقرر بادئ الرأي أن القضاء الإداري قضاء إنشائي بمعنى أنه يبتدع الحلول الملائمة للأوضاع الإدارية عند غياب الحكم النظامي ، ولا محاجة في أن هذا موجب للاجتهاد ،ولا محاجة أيضاً في أن من أسباب الاجتهاد الاستهداء بالحلول والمبادئ المقررة في أنظمة القضاء الإداري في البلاد الأخرى التي أخذت بهذا النظام ، وأولها نظام القضاء الإداري الفرنسي،وعنه أخذ نظام القضاء الإداري المصري، ومن قبله في بلجيكا، ونقلته أيضاً اليونان وتركيا ولبنان . وقد اطرد الفقه والقضاء الإداريين في هذه البلاد جميعاً على أن يستهدي ببعضه البعض وأن يعتبره مرجعاً له،فلا غرابة والحال كذلك – عند غياب الحكم النظامي – من الاستهداء بالحلول المتبعة في أنظمة القضاء الإداري الأخرى ولاجدال في أن الحالة المعروضة هي حالة مدى جواز توقيع غرامة التأخير عند استغناء الجهة الإدارية المتعاقدة عن العملية موضوع التعاقد وعدم إتمامها ، ولا جدال أيضاً في أن نظام المناقصات والمزايدات الواجب التطبيق على الحالة المعروضة ” وكذلك نظام تأمين مشتريات الحكومة ولائحته التنفيذية ” لم يتضمن نصاً يبين النظام الواجب الإتباع في مثل هذه الحالة لندرتها في العمل ،فلا محيص والحال كذلك من الاجتهاد في بيان حكمها، ومنه الاستهداء بالحلول المتبعة في نظام قضاء إداري آخر ) تأمل…ولا حول ولا قوة إلا بالله(

 

 

 

ردود أخرى من علماء معاصرين نقلتها من الشبكة :
ضوابط الفتوى في ضوء الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح
إعداد الدكتور
عبد الوهاب بن لطف الديليمي
وقد ظهر من ينادي بتقديم المصلحة مطلقاً حتى على النص والإجماع عند معارضتها لهما، وقد تولى أهل العلم الرد على مزاعمه، وبيان تهافتها وبطلانها، ويحسن هنا أن أنقل نص عبارة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية) في الرد على الطوفي (1) الذي كان أول من نادي بذلك، حيث يقول: “فهذا الإجماع الذي بدأ منذ عصر الصحابة، لم يزل ساري المفعول لدى مختلف طبقات الأئمة والعلماء على اختلاف آرائهم واجتهاداتهم، إلى أوائل النصف الثاني من القرن السابع الهجري، حيث ظهر في هذه الفترة رجل من علماء الحنابلة اسمه سليمان بن عبد القوي الطوفي … وما لبث أن نادى في بعض مؤلفاته بضرورة تقديم المصلحة مطلقاً على النص والإجماع عند معارضتها لهما.
فقد ألف كتاباً في شرح الأربعين حديثاً، وأفاض في الكلام عند شرحه لحديث (( لا ضرر ولا ضرار )) وبعد أن بين فيه أن يقتضي رعاية المصالح إثباتاً، والمفاسد نفياً، وجعل أدلة الشرع في حسابه تسعة عشر دليلاً، قال ما نصه:
“وهذه الأدلة التسعة عشرة أقواها النص والإجماع ، ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها، فإن وافقاها فبها ونعمت ولا نزاع، وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما “.
وعمدة دليله على كلامه هذا، اعتباره المصلحة دليلاً أقوى من كل من النص والإجماع، فهو يقول: إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع، ويلزم من ذلك أنها أقوى أدلة الشرع، لأن الأقوى من الأقوى أقوى.
وجعل عمدة دليله على أن المصلحة مقدمة في الرعاية على النص والإجماع أمرين:
أحدهما: أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهي إذًا محل وفاق، والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه.
ثانيهما: أن النصوص مختلفة متعارضة، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذمومة شرعاً، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً، فكان اتباعه أولى.
مناقشة هذه الأوهام وردها:
وقبل أن نرد على ما تخيله من أدلة لزعمه هذا، ينبغي أن نشير للقارئ إلى ما وقع فيه هذا الرجل من تناقض عجيب، وهو يقرر أدلته هذه.
فلقد بدأ فساق كل الأدلة الشرعية التي قيل بها والتي أحصاها في تسعة عشر دليلاً، سواء منها ما كان متفقاً عليه، وما كان مختلفاً فيه، و ذكر منهم المصالح المرسلة، ثم اعترف بأن النص والإجماع هما أقوى هذه الأدلة كلها، ولكنه مع ذلك عاد فقال في معرض استدلاله على وجوب تقديم المصلحة عليهما: إن رعاية المصلحة مقدمة على الإجماع، وإذًا فهي أقوى أدلة الشرع كلها، أفيكون تناقض أبلغ من هذا وأوضح؟‍!
وأيضاً فقد ذكر عن تحليل لفظ حديث (( لا ضرر ولا ضرار )) . . . ما نصه : “ثم المعنى لا لحقوق ضرر شرعاً إلا بموجب خاص مخصص “.
“وعاد فأكد هذا الكلام بعد ذلك، فقال: إن النص والإجماع إما أن لا يقتضيا ضرراً ولا مفسدة بالكلية، أو يقتضيا ذلك، فإن لم يقتضيا شيئاً من ذلك فهما موافقان لرعاية المصلحة، وإن اقتضيا ضرراً فإما أن يكون الضرر مجموع مدلوليهما أو بعضه، فإن كان مجموع مدلوليهما، فلا بد أن يكون من قبيل ما استثنى من قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار )) (1) ، وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات ، وإن كان الضرر بعض مدلوليهما، فإن اقتضاه دليل خاص اتبع الدليل، وإن لم يقتضه دليل خاص وجب تخصيصهما بقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار )) جمعاً بين الأدلة “.
“فماذا عسى أن يكون الموجب الخاص المخصص في كلامه الأول، أو الدليل الخاص المقتضى للضرر في كلامه الثاني غير نص الكتاب أو السنة أو الإجماع المترتب على أحدهما “؟
“وما دام كذلك فكيف تكون المصلحة مع ذلك أقوى اعتباراً من النص والإجماع”؟
“إما أن المصلحة أقوى اعتباراً من النص والإجماع كما يقول، فلا معنى إذًا لتحكم أحدهما في استثناء بعض صور المصالح عن الاعتبار، سواء كان الضرر كل مدلوله أو بعض مدلوله، وسواء أكد هذا البعض دليل خاص آخر أم لا، لا فرق بين كل هذه التنويعات المتكلفة ما دام أصل دلالتها آتياً من النص أو الإجماع، وما دامت المصلحة في ذاتها أقوى منهما في ذاتهما “.
“وإما أن النص والإجماع أقوى اعتبارا من محض ما يسمى مصلحة، وعلى ذلك يأتي الموجب الخاص فيخصص عموم حديث (( لا ضرر ولا ضرار )) كما قال: فما معنى التفريق إذا بين نص كان الضرر كل مدلوله ، ونص آخر كان الضرر بعض مدلوله، ما دام الدال على كلٍّ نصًّا، وما دام النص أقوى من المصلحة المتوهمة؟ وما معنى القول بترجيح هذا المتوهم على النصوص والإجماع ….؟
“فهاتان الصورتان من التناقض الصارخ في كلامه، كافيان لإسبال حجاب الإهمال على مجموع أدلته وبراهينه التي ساقها على دعواه “.
ومع ذلك فللنناقش أدلته، وإن كانت واضحة البطلان خشية أن يفتن بها الذين يلتمسوا السبيل في هذه الأيام إلى مثل دعواه.
“فنقول أولاً: إن الأساس الذي بنى عليه زعمه هذا، أساس محال غير متصور الوقوع، ألا وهو فرض كون المصلحة مخالفة للنص أو الإجماع “.
“والعجيب أنه هو بنفسه مهد لبيان كونه محالاً دون أن يشعر … إذ أنه ساق البراهين على أن كتاب الله إنما جاء متضمناً لمصالح الخلق، واستخرجها واحدة بعد أخرى من قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ يونس: 57 ].
“وبدهي أن كتاب الله تعالى إنما يكون متضمناً للرحمة بالعباد والرعاية لمصالحهم، إذا كانت نصوص متفقة مع هذه المصالح، وإذًا فمن المحال أن نجد آية فيه تدعو إلى ما يخالف المصلحة الحقيقية، والذي يتراءى منذلك لأول وهلة، إنما هو بتأثير الشهوات والأهواء وقصور معظم العقول عن إدراك كنه المصالح الحقيقية، ومن ثم فمن العبث الشنيع أن يفكر الإنسان بالمخرج والحل عن ذلك “.
“وإذا تصورنا المحال وفرضنا أن نجد في نصوص الكتاب – والسنة – مثله – ما يخالف المصلحة، فقد سقط إذًا البرهان الذي بنى عليه الطوفي دعواه من أن الشريعة لم تأتِ إلا لرعاية مصالح العباد، إذ تصبح النصوص – على هذا الفرض – أعم من أن تلتزم بمقتضى المصالح، وبذلك يغدو ميزان المصالح، قاصراً على درك أحكام الشريعة “.
“فالنتيجة، أن ما فرضه الطوفي من إمكان مخالفة المصالح للنص أو الإجماع ، إما أن يكون فرضاً ممكناً أو محالاً، وهو في كلا الحالتين دليل واضح على عكس دعواه “.
قد يقول قائل: “ولكن الطوفي إذ يقدم المصلحة على النص أو الإجماع، يحاول أن يسلك إلى ذلك طريق التخصيص لأحدهما لا هدره وإلغاءه … كما قد يتوهم ذلك أي فالنص يكون مراعيا لتلك المصلحة في الحقيقة لا معارضاً لها “.
فالجواب: “إما أن يتخصص الإجماع بمخصص من مصلحة أو غيرها. . فهذا ما لم يسمع ولم يقل به أحد؛ إذ الإجماع بعد ثبوته دليل قطعي من كل نواحيه، فمن أين ينفذ التخصيص إليه …؟ وإما أن يتخصص النص بالمصلحة “أي بما يقال إنه مصلحة “فهذا أيضاً ما لا يمكن أن يتصور، وإلا لانهار الفرق – على جلائه – بين التخصيص والنسخ، ولأمكن لأي يد أن تشطب على جملة شريعة الله بدعوى التخصيص”.
“ومعلوم أن من أبرز مظاهر الفرق بين التخصيص والنسخ، أن التخصيص إخراج جزء من المدلول لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه الدلالة عليه، على حين أن النسخ إبطال ما أراده المتكلم، وأن التخصيص إخراج جزء فقط من المخصص على حين أن النسخ يمكن أن يكون إبطالاً للكل “.
“والطوفي إنما يدعو إلى تقديم المصلحة على جملة مدلول النص عند معارضتهما، فكيف ينطبق معنى التخصيص على ذلك ؟ وعلى فرض أن المصلحة عارضت جزءاً من مدلول النص، فمن أين له أنها مصلحة حقيقية وأن الشارع لم يرد بالنص الدلالة على الحكم المخالف لها؟ وماذا يقول في قرون متطاولة من قبله أخذ أهلها – مثلاً – بكل مدلوله، ولم يفهموا إلا أن المصلحة هي ما تضمنته جملته؟ ثم إن الرعيل الأول من المسلمين، وهم الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم، لم يتركوا لبساً في مدلولات النصوص القابلة للتخصيص – بما وصل إلينا من أفعالهم وعلومهم وأقوالهم – فما سكتوا عن تخصيصه، وعبدوا الله بالتمسك بمجموع دلالته، فهو غير قابل للتخصيص بعد ذلك، وإلا للزم من ذلك جهل الصحابة بمدلولات النصوص والقدر المراد منها، أو نسخ ما ثبت حكمه واستقرت على الناس تبعته، ونعوذ بالله من الوقوع في أي الضلالين “.
“ثانيا: إن اعتبار المصلحة أقوى من الإجماع والنص، فرع لاعتبارها مستقلا عنهما، كما هو واضح، وقد ذكرنا في تمهيد هذا الباب: أن رعاية المصلحة مجردة ليست في حقيقتها دليلا مستقلا عن النص حتى يمكن اعتبارها قسيما له، وإنما هي معنى كلي استخلص من تتبع جزئيات الأحكام القائمة في أساسها على النصوص، والكلي لا يوجد إلا في جزئياته – كما هو معروف – وإلا لم يكن كليًّا لها، ولذا فقد كان لا بد لاعتبار حقيقة المصلحة في أمر ما من أن يدعمه دليل من الأدلة الشرعية التفصيلية القائمة في أساسها على النصوص أو أن لا يوجد ما يخالفها من ذلك على الأقل “.
“فكيف يصح بعد ذلك أن تكون المصلحة قسيما، بل وندا للنص والإجماع يشطب بها عليهما حيثما قضى بذلك الوهم والخيال “..؟
“ثالثا: وفي استدلال الطوفي على كون المصلحة أقوى من الإجماع، أبرز صورة للمغالطة التي تشبه أن تكون مقصودة، إذ هي من الوضوح بحيث لا يجهلها من مارس كتب العلم والاطلاع عليها مهما قلَّت بضاعته منها “.
فقد استدل على كونها أقوى من الإجماع بقوله: “إن منكرى الإجماع قالوا ؛ برعاية المصالح، فهى إذا محل وفاق. . والإجماع محل خلاف.
“فإذا كان يريد بذلك، أن منكري الإجماع قالوا كغيرهم بأن نصوص الشريعة قائمة على أساس المصالح، فهذا صحيح، ولكن ما علاقة هذا بدعواه؟ وهل يلزم من الاتفاق على كون الشريعة قائمة على أساس المصالح. . الاتفاق على تقديم ما توهم أنه مصلحة على الإجماع أو النصوص”؟
“إن من الوضوح بمكان أن إجماعهم الذي يشير إليه يدعوهم إلى الحذر من الوقوع في هذا الضلال، فضلا عن أن يتفقوا على الوقوع فيه “.
“وإذا كان يريد بذلك أن منكري الإجماع، قالوا بمثل رأيه في شأن المصالح، فهذا كذب وافتراء، وما من أحد من المسلمين قبله خطر له أن يقول بمثل ما أتى به ؛ سواء منهم جماهيرهم القائلون بالإجماع ، والقلة الذين لم يقولوا به “.
“ثم تأمل كيف نسي نفسه، وهو يقلل من أهمية الإجماع في جنب المصلحة المجردة، فراح يستدل على ذلك نفسه بالإجماع. . ! فأصبح معنى كلامه : الإجماع أضعف من رعاية المصلحة ، لأن رعاية المصلحة مجمع عليها ، والإجماع غير مجمع عليه .. !! وهل يقول هذا الكلام عاقل “. . ؟
“رابعا: وفي استدلاله على كون المصلحة مقدمة على النص، مغالطة أكبر وأشنع. . إذ استدل على ذلك، كما ذكرنا، بأن النصوص مختلفة متعارضة، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف. .
فكيف تكون نصوص الشريعة مختلفة متعارضة، وهي آتية من عند الله عز وجل “؟
“ولو كانت مختلفة متعارضة كما يقول، لكان ذلك أكبر دليل على أنها من عند غيره سبحانه وتعالى، ولذا نبَّه الله عباده إلى أن تناسق القرآن وتوافق نصوصه وآياته، أكبر دليل على أنه من عند الله عز وجل ” (1) .

“ولقد استدل الطوفي على هذا الزعم العجيب بالخلاف الذي وقع بين الأئمة والفقهاء بسبب النصوص، ولست أدري كيف يتصور عاقل من الناس ضرورة الصلة بين هذا الدليل وذلك الزعم، فالخلاف الذي وقع بين الأئمة في الفروع، إنما هو خلاف في فهم النصوص والوصول إلى حقيقة مدلولاتها، لتفاوت الأفهام فيما بينهم، لا خلاف بين النصوص في ذاتها ؛ وهذا الخلاف أمر متصور الوقوع في الاجتهاد ، ومعلوم أن اختلاف المذاهب في الاجتهاد لا يعني بحال اختلاف النصوص في مدلولاتها، ولكنه يعني أن واحدا غير معين، قد وافق الحقيقة وأخطأها الآخرون، وقد رفعت الشريعة عنهم تبعة هذا الخطأ على لسان النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: (( إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد )) (1) .
“ذلك أن الله لم يلزم أهل العلم بأكثر من بذل الجهد للوقوف على ما اشتبه عليهم من الأحكام، وهو في ذاته نوع من العبادة، تعبدهم الله به لحكمه. . . . “.
“وإذا تأملت في كلامه، وجدت أنه إنما يقصد بالنصوص حقيقتها لا الفهم لها. . إذ هو يقول عن المصلحة في مقابلها: “ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه ” ، فهو إذاً إنما يقابل ذات النصوص بذات المصالح ، ثم يفوه بما لا يقول به مسلم من أن النصوص متعارضة متخالفة في نفسها “. .
“هذا عن مغالطته فيما وصف به نصوص الشريعة “. .
“أما مغالطته فيما قال عن المصلحة فكامنة في أنه بنى وهمه هذا على مقدمتين لا رابطة بينهما، ولا حد متكررا فيهما، إذ هو ينظر أولا إلى جزئيات المصالح المتصورة في الخارج، ومعظمها جزئيات اعتبارية مختلف فيها “.
“فيقول: “هذه مصالح “. . ثم ينظر إلى الجنس المعنوي لها – وهو كلي منفق على رعايته في جميع الأذهان – فيقول: والمصلحة رعايتها حقيقة مجمع عليها. . ثم يزهي بالنتيجة المغلوطة قائلا: فرعاية المصالح – أي الجزئية – أمر حقيقي مجمع عليه “.
“فهذا القياس الملفق هذا التلفيق، يشبه ما يذكره المناطقة مثالا على السفسطة، وهو أن يشير الإنسان إلى صورة فرس على الجدار فيقول: هذا فرس، ثم يشير إلى جنس الفرس القائم في الذهن فيقول : وكل فرس صاهل، ثم يأتي بمثل نتيجة الطوفي فيقول عن الصورة: فهذا صاهل فرس ” (2) .
“ولا ريب أن التخالف بين جزئيات المصالح المختلف فيها بين الناس، وحقيقتها القائمة في الذهن، ليس أقل من التخالف بين صورة الفرس على الورق وحقيقته الماثلة في العقل “.
“فالحقيقة الذهنية للمصلحة، حقيقة متفق على رعايتها كما قال، ولكن ليست هي التي يقع بها التعارض مع النص، على فرض صحة وقوعه، وإنما يكون التعارض بما يوجد من صور جزئية لها في الخارج “.
“وهذه الصور الجزئية، هي شيء غير الحقيقة الذهنية المجردة، وهى ليست أمورًا متفقا عليها بحال من الأحوال، لأن هذه الصور إنما يصار إليها عن طريق تحقيق المناط، فكل أمر أنيط بتحقيقه نفع ما فهو مصلحة، ومعظم المنافع كما قلنا في صدر هذا الكتاب أمور اعتبارية تختلف حسب اختلاف المشاعر والعادات والأخلاق. . ولقد رأينا كيف أن علماء الأخلاق – وقد أجمعوا على تقديس المصلحة – لم يتمكنوا أن يصيروا إلى أي اتفاق على مسمياتها الجزئية، حينما حكموا في ذلك عقولهم وحدها، بل ولم تتمكن عقولهم من الاستقلال بالنظر والحكم، إذ سرعان ما يغلب عليهم وحي الشهوات والأهواء ومقاصد الأنانية والأثرة، وليته قد تخلف به الزمان حتى رأى عصرنا الحاضر وتعقد مسائله، وحيرة أهله وتضارب آرائهم وتباين مذاهبهم، إذًا لوجد أن المصلحة التي سماها حقيقة لا تختلف ليست إلا سرابا قد ضل سعي الناس وراءه. . . . “.
“من أجل هذا جاءت نصوص الشريعة، مفتاحا لما استغلق على الناس فهمه، وهداية إلى الحق الذي التبس عليهم أمره، إذ الخالق أدرى حيث تكمن مصلحة عباده وحيث تكمن مضارهم. . ومن هنا كانت المصلحة الحقيقة ما عرفت بهدي النصوص أو توابعها، ولا عبرة بمن قد يحسبها مفسدة، وكان كل ما خالفها مفسدة، ولا عبرة بوهم من ظنها مصلحة “
وصدق الله القائل في محكم كتابه: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [البقرة: 216] ” (1) .
وهناك أمر آخر مهم. . غير ما أورده صاحب (ضوابط المصلحة) وهو أن الأخذ بالرأي الذي جنح إليه الطوفي، لا يمكن أن ينحصر في ضوابط معينة، إذ يصير من حق كل صاحب شهوة وهو أن يدعي المصلحة في أمر ما، دون التفات إلى نصوص الشرع، ولا إلى الإجماع ، وحينئذ يصبح الخضوع للهوى والشهوة، لا لأحكام الشرع.
والنصوص الشرعية قد جاءت من أجل تحقيق المصالح، ودرء المفاسد، على وجه لا يتطرق إليه الاختلال، ومن ادَّعى تعارضها مع المصلحة، فقد ادَّعى عدم اطرادها، وإمكان اختلالها وتخلفها عما وضعت له، وفي ذلك يقول الشاطبي (2) :
“فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها، أو تختل أحكامها، لم يكن التشريع موضوعا لها (3) . . إذ ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد، لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد، لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق، فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا، وكليا، وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين، وجميع الأحوال. . . “.
__________
(1) ضوابط المصلحة ص 202 – 215 ؛ وانظر نص رسالة الطوفي، ضمن كتاب (مصادر التشريع الإسلامى فيما لا نص فيه) لعبد الوهاب خلاف، ص 105 – 144.
(2) الموافقات: 2 / 37 – 40.
(3) أى للمصلحة.

“والمصالح المجتلبة شرعا، والمفاسد المستدفعة، إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور “:
أحدها: أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم، حتى يكونوا عبادا لله، وهذا المعنى إذا ثبت، لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس، وطلب منافعها العاجلة كيف كانت، وقد قال ربنا سبحانه: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } [المؤمنون: 71].
“الثانى: أن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة، كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع، ومع ذلك فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا، لا من حيث أهواء النفوس “
“الثالث: أن المنافع والمضار، عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية: أنها منافع أو مضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص، أو وقت دون وقت، فالأكل والشرب – مثلا – منفعة للإنسان ظاهرة، ولكن عند وجود داعية الأكل، وكون المتناول لذيذا طيبا، لا كريها ولا مرا. . وكونه لا يولد ضررا عاجلا ولا آجلا، وجهة اكتسابه لا يلحقه به ضرر عاجل ولا آجل “.
“الرابع: أن الأغراض في الأمر الواحد تختلف، بحيث إذا نفذ غرض بعض وهو منتفع به تضرر آخر لمخالفة غرضه، فحصول الاختلاف في الأكثر، يمنع من أن يكون وضع الشريعة على وفق الأغراض، وإنما يستتب أمرها بوضعها على وفق المصالح مطلقا، وافقت الأغراض أو خالفتها “.
وهناك أمر آخر غير ما تقدم، وهو أن من يدعي تقديم المصلحة على النص، سيؤدي ذلك إلى مفاسد عظيمة، لأن الناس – عند عدم الرجوع إلى الضابط الشرعي للمصلحة والمفسدة – تتباين رغباتهم وأهواؤهم وتتصادم مصالحهم، ويطلب كل شخص من المصالح المطابقة لهواه، ما يؤدي إلى مفاسد كبيرة على غيره، وهناك تحدث فتن عظيمة بين الناس ، وفي ذلك يقول الشاطبي (1) .
“إنه قد علم بالتجارب والعادات، أن المصالح الدينية والدنيوية، لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض، لما يلزم من ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك، الذي هو مضاد لتلك المصالح “.
ومن هنا يتبين أن الاستصلاح أو ( المصالح المرسلة ) من الأدلة التي يستند إليها عند عدم وجود دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، والمراد بالمصالح المرسلة:
“كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع، دون أن يكون لها أو لجنسها القريب شاهد بالاعتبار أو الإلغاء ” (2) ، ولا يعني ذلك عدم وجود أى دليل تستند إليه، وإلا لما أمكن للمجتهد أن يجعلها دليلاً على حكم من أحكام الشريعة بحال، إذًا “فالمصالح المرسلة لابد أن تستند إلى دليل ما قد اعتبره الشارع، غير أنه لا يتناول أعيان هذه المصالح بخصوصها، وإنما يتناول بالجنس البعيد لها: كجنس حفظ الدين، والأرواح، والعقول، والأنساب، أي فهو قاصر عن دليل القياس الذي يتناول عين الوصف المناسب بواسطة النص عليه، كما في الوصف المؤثر أو بواسطة جريان حكم الشارع على وفقه كما في الملائم ” (3) .
__________
(1) الموافقات: 2/ 170، مع شىء من التصرف.
(2) ضوابط المصلحة، ص 330.

(3) ضوابط المصلحة، ص 217

يقول صاحب كتاب الوقت وأهميته في حياة المسلم – (ج 2 / ص 92)
هذا مجمل ما عند الطوفي من أدلة على رأيه ، ولكن تحليل هذه الأدلة بكل روية وتمعن يظهر فيها ضعفا وتناقضا لا يخطئه منله أدني إدراك بالأدلة وطرق مناقشتها .
1- فمما لا يختلف فيه اثنان أن النصوص دلت عموما وتفصيلا أن أحكام الشريعة غايتها المصلحة ، ولكن هذا دليل إثبات أنه حيثما وجد النص فثم المصلحة ، والله أراد من النصوص اليسر ولم يرد بها العسر ، وكل نصوصالدين ما جعل الله فيها من حرج وهي سمحة سهلة ، فكل أدلة الطوفي في أن المصلحةواليسر ورفع الحرج هي مقصود الشارع ، فهي دليل علي ضرورة التزام النص وتقديمه ،لأنه الذي يحقق المصلحة في كل الظروف .
2- وحديث لا ضرر ولا ضرار هو أحد الأدلةأيضا علي أن كل نصوص الشرع لا ضرر فيها ، وأن المصلحة متحققة منها دائما ، إذ كيفيقرر الرسول أنه لا ضرر وتكون بعض النصوص التي جاء بها سببا في الضرر . إن من يظنوقوع الضرر من تطبيق النص يقع في تناقض بين .
3- والاختلاف في تقدير المصلحة أمرواقع ، وهو اختلاف كبير واسع ، فالمصلحة ليست أمرا منضبطا يتفق عليه الناس وإلا لوكان الأمر كذلك لا تفق الناس في شرائعهم ونظمهم وطرق حياتهم وكل هذا ينقض ما قالهالطوفي من أن المصلحة أمر حقيقي متفق عليه .
4- والطوفي في عبارته عن تقديمالمصلحة علي الإجماع متناقض جدا ، فهو يقول أن المصلحة متفق عليها والإجماع مختلفحوله ، فتقدم المصلحة لأنها متفق عليها ( فأصبح معني كلامه : الإجماع أضعف من رعايةالمصلحة لأن رعاية المصلحة مجمع عليها والإجماع غير مجمع عليه )[6] .
5- ومنالملاحظ أن الطوفي لم يأت بمثال واحد يرينا فيه كيف أن المصلحة عارضت النص وكيفتقدم عليها ، حتى نستيقن مما يقول ، وما ذلك إلا لأنه لم يجد مطلقا بعد طولالاستقراء والبحث حالة واحدة تعارض فيها المصلحة النص لأن ذلك التعارض أمرمتوهم[7]
ولضعف أدلة الطوفي وشناعة رأيه حمل عليه كثير من المعاصرين حملة قوية…
ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف : ( .. وإن الطوفي الذي يحتج بالمصلحةالمرسلة إطلاقا فيما لا نص فيه وفيما فيه نص، فتح بابا للقضاء علي النصوص وجعل حكمالنص أو الإجماع عرضة للنسخ بالرأي، لأن اعتبار المصلحة ما هو إلا مجرد رأي وتقدير،وربما قدر العقل مصلحة وبالروية والبحث يقدرها مفسدة. فتعريض النصوص لنسخ أحكامهابالآراء وتقدير العقول خطر علي الشرائع وعلي كل القوانين )[9] .

[6] أنظر ( ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ) – محمد سعيد رمضان البوطي ص 212
[7] أنظر ( ابن حنبل ) لأبو زهرة ص 359

[9] مصادر التشريعالإسلامي فيما لا نص فيه – عبد الوهاب خلاف – ص 101

 

أصول الفقهبين الثبات والتجديد1/2
ورقة ا.د. يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين
أستاذ أصولالفقه بقسم الدراسات العليا
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميةبالرياض:
8/1/1423

– وفي نهاية القرن السادس الهجري طرح سليمان بنعبدالقوي نجم الدين الطوفي المتوفى سنة 716هـ ، رأياً متطرفاً وشاذاً وفق المقاييسالأصولية ، في المصلحة . هو لم يؤلف كتاباً في المصلحة يذكر فيه رأيه ، ولكنه أوردرأيه في شرحه الحديث الثاني والثلاثين من الأحاديث الأربعين النووية ، وهو قوله :صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضِرار ) . ولم يشر علماء الأصول الذين عاصروه أوجاؤا بعده ، إلى رأيه هذا ، فيما أطلعت عليه من كتبهم . وقد طبع شرحه للأربعينالنووية كاملاً باسم ( التعيين في شرح الأربعين ) في السنوات الأخيرة. وهو وإن لميتكلم عن المصلحة في بعض كتبه كشرحه لمختصر الروضة ، لكنه لم يخرج في ذلك عن رأيالجمهور فيها ، مع نقده تقسيماتهم المصلحة إلى ضرورية وغير ضرورية ، وعدّه ذلكتعسفاً وتكلفاً ، وإنما كان رأيه الخاص والمخالف لرأي جمهور العلماء هو ما أورده فيشرحه لحديث ( لا ضرر ولا ضِرار ) ، الذي تكلم في شرحه على المصلحة مطلقاً، لاالمصلحة المرسلة . وقد عرّف المصلحة ، بحسب العرف ، بأنها السبب المؤدي إلى الصلاحوالنفع ، كالتجارة المؤدية إلى الربح ، وبحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصودالشارع عبادة أو عادة (7) .
وبعد أن أقام الأدلة على حجية المصلحة من نصوصالشارع ، ذكر أن رعايتها مقدمة على النصوص والإجماع ، مستدلاً على ذلك بوجوه ، منها :
أ – ( إن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح ، فهو إذاً محل وفاق ، والإجماعمحل خلاف ، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه .
ب- إن النصوصمختلفة متعارضة ، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً ، ورعاية المصالح أمر (حقيقي في نفسه ، ولا يُخْتَلَفْ فيه ، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً ، فكاناتباعه أولى ) (8) .

لكنه يقصر ذلك التقديم على جانب المعاملات والعاداتوشبهها ، وأما في العبادات والمقدرات ونحوها ، فالمعتبر فيها النصوص والإجماعونحوهما من الأدلة (9) .
والمصلحة عنده عامة هي مصلحة الناس ، وما يتراءى لهمأنه ذو منفعة . وليس المقصود في ذلك المصالح المرسلة التي يقول بها الإمام مالك . ونجد من المناسب أن نذكر خلاصة لهذا الاعتبار من عبارات الطوفي نفسه . قال : ( ولايقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فيؤخذ من أدلته ، لأنّا نقول: قد قدرنا أن رعايةالمصلحة في أدلة الشرع ، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المصالح . ثم إن هذايقال في العبادات التي تخفى مصالحها على مجاري العقول والعادات ، أما مصلحة سياسةالمكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل ، فإنا رأينا دليل الشرعمتقاعداً عن إفادتها ، علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها ، كما أن النصوصلما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أنّا أحلنا بتمامها على القياس ، وهو إلحاق المسكوتعنه بالمنصوص عليه بجامع بينهما )((10) .
فالأمور السابقة : الإجماع ،والاستصحاب البديل عن القياس الأصولي المعروف ، والقياس الواسع ، والمصلحة . والسنةكانت مما يدخل في مجال أصول الفقه ، لأنها تتناول الأدلة ، سواء كان بإنكارها ، أوبتوسيع نطاقها ، ولكنها لم يكن ينظر إليها على أنها تجديد ، بل كانت تذكر على أنهاآراء شاذة ، باستثناء أفكار الطوفي في المصلحة التي لم نجد لها ذكراً في كلامالمتقدمين.

قال الشيخ عبد الله الغديان فيما نقله عنه بعض تلاميذه :
الثاني:ايضاح انه لا توجد مصلحة تعارض الشرع ولا مفسدة اوردها الشرع مع التعرض للرد على شبهة من يقول بتقديم المصلحة على النص

تحرير رأيه: يقول: ان ادلة التشريع وعددها تسعة عشر دليلا يقول : إذا نظرنا اليها دليلا دليلا وجدنا ان دليل القران هو الاقوى ودليل السنة والاجماع كذلك اي النقل والاجماع وعلى هذا الاساس فالنقل مختلف فيه والاجماع مختلف فيه والمصلحة لم يختلف فيها فتقدم المصلحة على النص من الكتاب والسنة والاجماع
في تقريره للادلة قال : إننا إذا نظرنا إلىالدليل النقلي وجدنا انه يعرض له الظن من طرق عدة ، من هذه الطرق نقل اللغة ، ونقل اللغة يعرض له الظن، والقران والسنة يفسران بنقل اللغة (اي انه قدح في نقل اللغة) وما يعرض له من وجوه الاختلاف في دلالة الكلمة واعراب الجملة من ناحية النحو ووجوه الاستعمال في علم البلاغة فهذا يعني وجود الاختلاف في دلالة القران والسنة.
وما يعرض للدليل من جهة السنة من ناحية عدم الثبوت وعلل الاسانيد وعلل الرجال وعلل المتن من الشذوذ والتحريف الى غير ذلك من العلل
وما يعرض للدليل من جهة البقاء لانه يحتمل النسخ سواء كان من القران والسنةسلامة الدلالة من المعارض فالعام مثلا يحتمل التخصيص والمطلق يحتمل التقييد والظاهر محتمل للتاويل.
زكذلك ما يعرض للدليل من نا حية التقديم والتأخير والزيادة والنقصان.
ويقول: ان هذه الاحتمالات تدل على ان دلالة الدليل النقلي على المصلحة دليل ظني، وعلى هذا الاساس اتضح ان هناك اختلاف في الدلالة ، اما المصلحة فقطعية الثبوت وليس فيها خلاف، وبناء على ذلك يقدم المتفق عليه على المختلف فيه عند التعارض.
حاصل هذه الشبهة: ان الدليل النقلي ظني من وجوه كثيرة والمصلحة قطعية منجميع الوجوه ، واقطعي مقدم على الظني

 

الصراع الحنبلي الأشعري عبر العصور ووقفة مع حادث معاصر

الصراع الحنبلي الأشعري عبر العصور ووقفة مع حادث معاصر

متأخرو الحنابلة ومن سار على نهجهم ممن يسمون انفسهم بالسلفية المعاصرة ينسبون انفسهم للسلف والسنة والجماعة وكذلك الأشاعرة ..وكل منهم أى الأشاعرة والحنابلة مختلفون في مسائل كثيرة في العقيدة ، ولم يحصل الاختلاف بين الطرفين في نطاق التباين الاجتهادي والعلمي الذي كثيراً ما يقع حتى بين أبناء المذهب الواحد نفسه ، بل اعتبره الكثير منهم خلافاً في أصول العقيدة ومسائلها الضرورية ، والحديث عن حجم هذا الخلاف وتاريخه طويل تناقلته كتب المصنفين كثيراً ، ولهذا فلا يمكن عرض كل هذا التاريخ وبيان الخلاف بجميع تفاصيله ، ولكن يمكن الإشارة إلى ما يتضح منه حقيقة الأمر ، فمن الشواهد التي توضح حقيقة الخلاف الواقع بين الطرفين :

فالأشاعرة يسمون هذه الفتن الحاصلة بينهم وبين الحنابلة بـ فتنة الحنابلة والحنابلة يسمون هذه الفتن الحاصلة بينهم وبين الأشاعرة بـ فتنة الأشاعرة او فتنة ابن القشيري .

1- فتنة ابن القشيري مع أبي جعفر الحنبلي

أبو نصر القشيري أحد كبار علماء السنة في العقيدة والفقه والتفسير وهو من الأشاعرة ، قال فيه السبكي : الإمام العلم ، بحرٌ مغدِق ، وحَبْرُ زمانه إذا قيل كعب الأحبار ، وهُمام مقدّم ، وإمام تقتدي به الهداة ، وتأتم ، نما من تلك الأصول الطاهرة غصنه المورق ، وسما على الأنجم الزاهرة بدره المشرق … الخ .

وقال الذهبي : الشيخ الإمام المفسر العلاّمة .

وقال فيه الحافظ عبد الغافر الفارسي : إمام الأئمة ، وخير الأمة ، وبحر العلوم وصدر القروم ، قرة عين الإسلام ، وثمرة فؤاده .

إلى أنْ قال فيه : وبلغ الأمر في التعصب كاد أنْ يؤدي إلى الفتنة .

وقد حصلت في زمانه فتنة كبيرة سماها السبكي بفتنة الحنابلة ، وسماها الحنابلة كابن رجب الحنبلي وابن الجوزي بفتنة ابن القشيري ، وكان في مواجهة ابن القشيري أبو جعفر الحنبلي الذي يقول فيه ابن الجوزي : كان عالماً فقيهاً ، ورعاً عابداً ، زاهداً ، قوالاً بالحق ، لا يُحابي ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، وقال فيه ابن عقيل : كان يفوق الجماعة من أهل مذهبه وغيرهم في علم الفرائض ، وقال ابن رجب الحنبلي : وكان معظماً عند الخاصة والعامة ، زاهـداً في الدنيـا إلى الغاية ، قائماً في إنكـار المنكرات بيده ولسانه مجتهداً في ذلك .

ذكر ابن رجب الحنبلي : أنّ أبا نصر القشيـري ورد بغـداد سنة تسـع وستيـن وأربعمـائة ، وجلـس في النظامية ، وأخذ يذم الحنابلة ، وينسبهم إلى التجسيم ، وكان المتعصب له أبو سعد الصوفي ، ومال إلى نصره أبو إسحاق الشيرازي ، وكتب إلى نظام الملك الوزير يشكو الحنابلة ، ويسأله المعونة ، فاتفق جماعة من أتباعه الهجوم على الشريف أبي جعفر في مسجده والإيقاع به ، فرتب الشريف جماعة أعدهم لرد خصومة إنْ وقعت ، فلما وصل أولئك باب المسجد رماهم هؤلاء بالآجر ، فوقت الفتنة ، وقتل من أولئك رجل من العامة ، وجرح آخرون ، وأخذت الثياب ، وأغلق أتباع ابن القشيري أبواب مدرسة النظام ، وصاحوا المستنصر بالله ، يا منصور ، يعنون العبيدي صاحب مصر ، وقصدوا بذلك التشنيع على الخليفة العباسي ، وأنه مماليء للحنابلة لاسيما والشريف أبو جعفر ابن عمه ، وغضب أبو إسحاق ، وأظهر التأهب للسفر ، وكاتب فقهاء الشافعية نظام الملك بما جرى ، فورد كتابه بالامتعاض من ذلك والغضب لتسلط الحنابلة على الطائفة الأخرى وكان الخليفة يخاف من السلطان ووزيره نظام الملك ويداريهما .

ثم ذكر : أنّ الخليفة لما خاف من تشنيع الشافعية عليه عند النظام أمر الوزير أنْ يجيل الفكر بما تنحسم به الفتنة ، فاستدعى الشريف أبا جعفر بجماعة من الرؤساء منهم ابن جردة ، فتلطفوا به حتى حضر في الليل ، وحضر أبو إسحاق ، وأبو سعد الصوفي ، وأبو نصر بن القشيري ، فلما حضر الشريف عظَّمه الوزير ورفعه ، وقال : إنّ أمير المؤمنين

ساءه ما جرى من اختلاف المسلمين في عقائدهم ، وهؤلاء يصالحونك على ما تريد ، وأمرهم بالدنو من الشريف ، فقام إليه أبو إسحاق ، وكان يتردد في أيام المناظرة إلى مسجده بدرب المطبخ ، فقال : أنا ذاك الذي تعرف ، وهذه كتبي في أصول الفقه ، أقول فيها خلافاً للأشعرية ، ثم قبل رأسه .

ثم قام أبو سعد الصوفي ، فقبل رأس الشريف وتلطف به ، فالتفت مغضباً وقال : أيها الشيخ ، إنّ الفقهاء إذا تكلموا في مسائل الأصول فلهم فيها مدخـل ، وأما أنت ، فصاحب لهـو وسمـاع وتعبير ، فمـن زاحمك على ذلك حتى داخلت المتكلمين والفقهاء ، فأقمت سوق التعصب ؟!

ثم قام ابن القشيري وكان أقلهم إحتراماً للشريف ، فقال الشريف : من هذا ؟ فقيل : أبو نصر بن القشيري ، فقال : لو جاز أنْ يُشكر أحدٌ على بدعته لكان هذا الشاب ، لأنه باد هنا بما في نفسه ، ولم ينافقنا كما فعل هذان ، ثم التفت إلى الوزير فقال : أي صلح يكون بيننا ؟! إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو دنيا أو تنازع في ملك ، فأما هؤلاء القوم فإنهم يزعمون أنّا كفار

ونحن نزعم أنّ من لا يعتقد ما لا نعتقده كان كافراً ، فأي صلح بيننا ؟! وهذا الإمام يصدع المسلمين ، وقد كان جداه القائم والقادر أخرجا اعتقادهما للناس ، وقريء عليهم في دواوينهم ، وحمله عنهم الخراسانيون والحجيج إلى أطراف الأرض ، ونحن على اعتقادهما .

وذكر ابن كثير في البداية والنهاية وابن الجوزي في المنتظم أنّ هذه الفتنة أدت إلى حبس الشريف أبي جعفر العباسي ، وإخراج ابـن القشيري مـن بغداد .

وقال ابن الأثير متحدثاً عن هذه الفتنة أثناء كلامه عن حوادث سنة (469هـ) : في هذه السنة ورد بغداد أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري حاجاً ، وجلس في المدرسة النظامية يعظ الناس ، وفي رباط شيخ الشيوخ ، وجرى له مع الحنابلة فتن ، لأنه تكلم على مذهب الأشعري ونصره ، وكثر أتباعه والمتعصبون له ، وقصد خصومه من الحنابلة ومن تبعهم سوق المدرسة النظامية ، وقتلوا جماعة ، وكان من المتعصبين للقشيري الشيخ أبو إسحاق وشيخ الشيوخ وغيرهما من الأعيان ، وجـرت بين الطائفتين أمور عظيمة .

ولم يمض سنة على انطفاء الفتنة حتى اشتعلت مرة ثانية وأدت إلى حرب بين الطرفين كان ضحيتها عشرين قتيلاً ، يقول ابن كثير وهو يتحدث عن حوادث سنة (470هـ) : وفي شوال منها وقعت فتنة بين الحنابلة وبين فقهاء النظامية ، وحمى لكل من الفريقين طائفة من العوام ، وقتل بينهم نحو مـن عشرين قتيلاً وجرح آخرون ، ثم سكنت الفتنة .

نص ما ذكره الأشاعرة ضد الحنابلة

ومن الوثائق المهمة وثيقة صدرت عن أبي نصر القشيري ووقع عليه جماعة من علماء الأشاعرة ضد الحنابلة ، ومما جاء فيها كما نقل الحافظ أبي محمد القاسم ابن الحافظ ابن عساكر في تبيين كذب المفتري حيث ذكره إستدراكاً لما لم يذكره أبوه :

يشهد من ثبت اسمه ونسبه وصح نهجه ومذهبه واختبر دينه وأمانته من الفقهاء وأهل القرآن والمعدلين من الأعيان ، وكتبوا خطوطهم المعروفة …

إلى أن قال : أنّ جماعة من الحشوية والأوباش المتوسمين بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة ما لم يتسمح به ملحد فضلاً عن موحد ، ولا تجوز به ، قادح في أصل الشريعة ولا معطل ، ونسبوا كل ما ينزه الباري تعالى وجـل عن النقائص والآفات ، وينفي عنه الحدوث والتشبيهات ، ويقدسه عن الحلول والزوال .

إلى أنْ قال : وتناهوا في قذف الأئمة الماضين ، وثلب أهل الحق وعصابة الدين ، ولعنهم في الجوامع والمشاهد والمحافل والمساجد والأسواق والطرقات والخلوة والجماعات ، ثم غرهم الطمع والإهمال ومدهم في طغيانهم الغي والضلال إلى الطعن فيمن يعتضد به أئمة الهدى وهو للشريعة العروة الوثقى ، وجعلوا أفعاله الدينية معاصي دنية ، وترقوا من ذلك إلى القدح في الشافعي رحمه الله وأصحابه ، واتفق عود الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر ابن الأستاذ الإمام زين الإسلام أبي القاسم القشيري رحمة الله عليه …

إلى أنْ قال : وتمادت الحشوية في ضلالتها والإصرار على جهالتها وأبوا إلا التصريح بأنّ المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل ، وأنه ينزل بذاته ، ويتردد على حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط ، وعليه تاج يلمع ، وفي رجليه نعلان من ذهب ، وحفظ ذلك عنهم ، وعللوه ودونوه في كتبهم ، وإلى العوام ألقوه ، وأنّ هذه الأخبار لا تأويل لها ، وأنها تجري على ظواهرها وتعتقد كما ورد لفظها ، وأنه تعالى يتكلم بصـوت كالرعـد ، وكصهيـل الخيل …

2- إلزام الحنابلة للعوام المتوفين بالتبري من المذهب الأشعري عند التلقين حال الوفاة والموت على العقيدة الحنبلية

بعد حصول الفتنة بين الحنابلة والشافعية الأشاعرة الذين كان من أبرزهم أبو إسحاق الشيرازي الفقيه صاحب المهذب في الفقه الشافعي والذي شرحه الامام النووي في كتابه المجموع وابن القشيري حصلت تصرفات كثيرة كردود فعل في سلوكيات فقهاء الحنابلة والأشاعرة ، ومن تلك الأمور التي تذكر في ترجمة طاهر بن الحسين القواس الذي يصفه ابن رجب الحنبلي بـ الفقيه ، الزاهد ، الورع ، وقال فيه أبو سعد السمعاني : من أعيان فقهاء الحنابلة وزهادهم ، وحكى عنه الحنابلة كرامات كثيرة ، أنه كان يعلن التبري من المذهب الأشعري عند تلقين الموتى ، يقول الفقيه الحنبلي ابن عقيل في نقل ذلك أثناء حديثه عنه : كان حسن الفتوى ، متوسطاً في المناظرة في مسائل الخلاف ، إماماً في الإقراء ، زاهداً ، شجاعاً مقداماً ، ملازماً لمسجده ، يهابه المخالفون ، حتى أنه لما توفي ابن الزروني وحضره أصحاب الشافعي على طبقاتهم وجموعهم في فورة أيام القشيري وقوتهم بنظام الملك حضر حتى بلغ الأمر إلى تلقين الحفار قال له : تنح حتى ألقنه أنا ، فهذا كان على مذهبنا ، ثم قال : يا عبد الله وابن أمته ، إذا نزل عليك ملكان فظان غليظان ، فلا تجزع ، ولا تُرَع ، فإذا سألاك فقل : رضيت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، لا أشعري ، ولا معتزلي ، بل حنبلي سني فلم يتجاسر أحد أنْ يتكلم بكلمة ، ولو تكلم أحد لفضخ رأسه أهل باب البصرة ، فإنهم كانوا حوله قد لقّن أولادهم القرآن والفقه ، وكان في شوكة ومنعة ، غير معتمد عليهم ، لأنه أمة في نفسه .

3- فتنة أبي إسماعيل الأنصاري الحنبلي مع الأشاعرة

عبد الله بن محمد الهروي ، أبو إسماعيل الأنصاري ، أحد أبرز علماء الحنابلة في العقيدة ، وإنْ كان في الفقه شافعياً ، يقول فيه ابن رجب الحنبلي : الفقيه ، المفسر ، الحافظ ، الصوفي الواعظ ، شيخ الإسلام .

قال فيه ابن تيمية : شيخ الإسلام مشهور ، معظم عند الناس ، هو إمام في الحديث والتصوف والتفسير ، وهو في الفقه على مذهب أهل الحديث يُعظم الشافعي وأحمد ، ويقرن بينهما في أجوبته في الفقه ما يوافق قول الشافعي تارة وقول أحمد أخرى ، والغالب عليـه إتباع الحديث على طريقة ابن المبارك ونحوه .

وقال فيـه ابن الجـوزي : وكـان شـديـداً على أهـل البـدع ، قويـاً في نصـرة السنة .

وقال الذهبي : شيخ الإسلام ، الإمام القدوة الحافظ الكبير .

ويقول ابن رجب في أثناء حديثه عن المحن التي تعرض لها : وقال ابن طاهر : سمعت الإمام أبا إسماعيل بهراة يقول : عرضت على السيف خمس مرات ، لا يقال لي ارجع عن مذهبك ، لكن يُقال لي : أسكت عمن خالفك ، فأقول : لا أسكت .

واستمر تلميذه ابن طاهر المقدسي صاحب كتاب الجمع بين رجال الصحيحين يحكي ما وقع بينه وبين من خالفه من الفتن ، فمن ذلك الفتن التي وقعت بينه وبين الأشاعرة من الشافعية والأحناف ، فقال : وحكى لنا أصحابنا أنّ السلطان ألب أرسلان حضر هراة ، وحضر معه وزيره أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق ، فاجتمع أئمة الفريقين من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة للشكاية من الأنصاري ، ومطالبته بالمناظرة ، إلى أن قـال : وسمعت أحمد بن أميرجه القلانسي خادم الأنصاري يقول : حضرت مع الشيخ للسلام على الوزير أبي علي الطوسي ، وكان أصحابه كلفوه بالخروج إليه ، وذلك بعد المحنة ورجوعه من بلخ ، فلما دخل عليه أكرمه وبجله ، وكان في العسكر أئمة من الفريقين في ذلك اليوم وقد علموا أنه يحضر ، فاتفقوا جميعاً على أنْ يسألوه عن مسألة بين يدي الوزير فإنْ أجاب بما يجيب به بهراة سقط من عين الوزير ، وإنْ لم يجب سقط من عيون أصحابه وأهل مذهبه ، فلما دخل واستقر به المجلس انتدب له رجل من أصحاب الشافعي يُعرف بالعلوي الدبوسي ، فقال : يأذن لي الإمام في أنْ أسأل مسألة ؟ فقال : سل ، فقال : لم تلعن أبا الحسن الأشعري ؟ فسكت وأطرق الوزير لما علم من جوابه ، فلما كان بعد ساعة قال له الوزير أجبه ، فقال : لا أعرف الأشعري ، ,إنما ألعن مـن لم يعتقد أنّ الله عز وجل في السماء ، وأنّ القـرآن في المصحف ، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اليـوم نبي …

واستمر ابن طاهر المقدسي ينقل تفاصيل الحوادث إلى أنْ قال : ودخلوا على السلطان واستغاثوا من الأنصاري ، وقالوا له : إنه مجسم ، فإنه يترك في محـرابـه صنـماً ، ويقـول إنّ الله عـز وجـل على صـورتـه …الخ تفاصيل الحادثة .

4- منع الحنابلة غيرهم من التحديث ووصفهم لغيرهم بالكفر

من الأمور التي يظهر منها حدة الخلاف بين الحنابلة وسائر المسلمين بما فيهم الأشاعرة ، أنه كان في الري وهي قسم من طهران حالياً يمنع غير الحنابلة من الحديث ، وكان شيخ الحنابلة في الري أبو حاتم أحمد بن الحسن الرازي المعروف بـ خاموش والذي يصفه الذهبي بقوله : الإمام المحدث ، الحافظ ، الواعظ ، ويقول فيه أيضاً : وكان شيخ أهل الري في زمانه هو الذي يمنع الجميع بأمر من السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي ، وكان يصف غير الحنابلة بالكفر والعياذ بالله تعالى ، وكان أبو إسماعيل الأنصاري يقره على تلك المقولة وهو الذي يصف الأشاعرة بشياطين البشر.

يقول ابن طاهر المقدسي وهو ينقل هذه الأحداث عن شيخه أبي إسماعيل الأنصاري : سمعت عبد الله بن محمد الأنصاري يقول : لما قصدت الشيخ أبا الحسن الجركاني الصوفي ، وعزمت على الرجوع وقع في نفسي أن أقصد أبا حاتم بن خاموش الحافظ بالري والتقي به ، وكان مقدم أهل السنة بالري ، وذلك أن السلطان محمود بن سبكتكين لما دخل الري قتل بها الباطنية ، ومنع سائر الفرق الكلام على المنابر غير أبي حاتم، وكان من دخل الري من سائر الفرق يعرض اعتقاده عليه ، فان رضيه أذن له في الكلام على الناس، وإلا منعه ، فلما قربت من الري كان معي في الطريق رجل من أهلها ، فسألني عن مذهبي؟ فقلت: أنا حنبلي ، فقال : مذهب ما سمعت به وهذه بدعة ، وأخذ بثوبي وقال : لا أفارقك حتى أذهب بك إلى الشيخ أبي حاتم. فقلت: خيرة ، فاني كنت أتعب إلى أن التقي به ، فذهب بي إلى داره ، وكان له ذلك اليوم مجلس عظيم . فقال : أيها الشيخ ، هذا الرجل الغريب سألته عن مذهبه فذكر لي مذهبا لم أسمع به قط . قـال : ما قال ؟ قال : أنا حنبلي ، فقال : دعه ، فكل من لم يكن حنبليا فليس بمسلم ، فقلت الرجل كما وصف لي ولزمته أياما وانصرفت .

وقال أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه ذم الكلام أيضاً نقلاً عن أبي حاتم خاموش الحنبلي الرازي أيضاً أنه كان يلعن الأشاعرة ، حيث قال : وسمعت أحمد بن الحسن الخاموشي الفقيه الرازي في داره بالري في محفل يلعن الأشعرية ، ويطري الحنابلة ، وذلك سنة خرجنا مع الحاج .

5- فتنة الحنابلة مع الأشاعرة

ففي زمن الملك الأشرف مظفر الدين وكان يحكم دمشق ، وكان له ميل للحنابلة ، وقد وقع في زمانه فتنة بين الحنابلة والأشاعرة ، يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء : وكان للأشرف ميل إلى المحدثين والحنابلة ، قال ابن واصل وقعت فتنة بين الشافعية والحنابلة بسبب العقائد .

قال : وتعصب الشيخ عز الدين بن عبد السلام على الحنابلة وجرت خبطة حتى كتب عز الدين رحمه الله إلى الأشرف يقع فيهم وأن الناصح ساعد على فتح باب السلامة لعسكر الظاهر والأفضل عندما حاصروا العادل فكتب الأشرف يا عز الدين الفتنة ساكنة لعن الله مثيرها …

6- صدور القرار السلطاني بلعن الأشاعرة ومن عدا الحنابلة

يقول ابن تيمية بشأن السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي : وكان من أحسن ملوك أهل المشرق إسلاماً وعقلاً وديناً وجهاداً وملكاً في آخر المائة الرابعة .

ثم يـواصل الحـديث إلى أنْ يصـل إلى الكـلام الـذي صـدر في عهد القادر العباسي وجرى على منواله السلطان الغزنوي ضد جميع من لم يكن من الحنابلة ، يقول ابن تيمية : … وكان هذا مما دعا القادر إلى إظهار السنة وقمع أهل البدع ، فكتب الاعتقاد القادري المنسوب إليه ، وهو في الأصل من جمع الشيخ أبي أحمد القصار ، وهو من أجل المشايخ وأعلمهم وله لسان صدق عظيم وأمر القادر باستتابة من خالف ذلك من المعتزلة وغيرهم وقام الشيخ أبو حامد الاسفرائيني إمام الشافعية والشيخ أبو عبد الله ابن حامد إمام الحنابلة على ابن الباقلاني بسبب ما ينسب إليه من بدعة الأشعري ، وجرت أمور بلغتنا مجملة غير مفصلة ، وصنف ابن الباقلاني كتابه المعروف في الرد على من ينسب إلى الأشعري خلاف قوله واعتمد السلطان محمود بن سبكتكين في مملكته نحو هذا وزاد إليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر ، فلعنت الجهمية والرافضة والحرورية والمعتزلة والقدرية ، ولعنت أيضا الأشعرية حتى جرى بسبب ذلك نزاع وفتنة بين الشافعية والحنفية وغيرهم ، قوم يقولون هم من أهل البدع فيلعنون ، وقوم يقولون ليسوا من أهل البدع فلا يلعنون ، وجرت لابن فورك محنة بأصبهان وجرت له مناظرة مع ابن الهيصم بحضرة هذا السلطان محمود وكان يحب الإسلام والسنة مستنصرا بالإسلام …

7- منع الحنابلة للأشاعرة من حضور الجمعة والجماعة

يقـول ابن كثير أثناء حديثـه عن أحداث سنة ( 447 هـ ) ببغداد : وفيها وقعت الفتنة بين الأشـاعرة والحنابلـة ، فقـوي جانب الحنابلة قـوة عظيمـة ، بحيث أنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهـد الجمعة ولا الجماعات .

ويقول ابن الجوزي أثناء حديثه عن أحداث هذه السنة : ووقعت بين الحنابلة والأشاعرة فتنة عظيمة حتى تأخر الأشاعـرة عـن الجمعـات خـوفاً من الحنابلة .

ويقول ابن خلدون أثناء كلامه عن هذه الفتن : … وبين الحنابلة والشافعية وغيرهم من تصريح الحنابلة بالتشبيه في الذات والصفات ، ونسبتهم ذلك إلى الإمام أحمد ، وحاشاه منه ، فيقع الجدال والنكير ، ثم يفضي إلى الفتنة بين العوام

8- فتنة ابن فورك

ومن الفتن التي حصلت في بغداد أيضاً في القرن الخامس الهجري الفتنة التي وقعت بين الحنابلة والأشاعرة والتي اتهمت فيها بعض المصادر ، أحمد بن محمد بن الحسن سبط ابن فورك الذي كان من علماء الأشاعرة ، قال ابن الجوزي : نزل بغداد واستوطنها ، وكان متكلماً مناظراً واعظاً ، وكـان ختن أبي القاسم القشيري على ابنته ، وكـان يعظ في النظامية ، فوقعت بسببه فتنة بين المذاهب .

وقال : وكان يأخذ مكسر الفحم ويوقع العداوة بين الحنابلة والأشاعرة ، مات وقد ناف على الستين سنة ، وقد دفن إلى جانب قبر الأشعري بمشرعـة الزوايا .

9- فتنة البربهاري إمام الحنابلة

وممن نقل هذه الفتنة الحافظ ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ أثناء حديثه عن حوادث سنة (323هـ) حيث قال : وفيها عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم ، وصاروا يكبسون من دور القواد والعامة .

إلى أنْ قال : فركب بدر الخرشني ، وهو صاحب الشرطة ، عاشر جمادى الآخرة ونادى في جانبي بغداد في أصحاب أبي محمد البربهاري الحنابلة ، لا يجتمع منهم اثنان ولا يناظرون في مذهبهم ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشائين ، فلم يفد وزاد شرهم وفتنتهم ، واستظهروا بالعميان الذين كان يأوون المساجد ، وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان فيضربونه بعصيهم حتى يكاد يموت ، فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره ، فمنه : تارة إنكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين ، وهيئتكم الرذلة على هيئته ، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين ، والشعر القطط ، والصعود إلى السماء والنزول إلى السماء الدنيا تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً .

ويقول ابن الجوزي في ترجمة الحسن بن علي البربهاري : جمع العلم والزهد ، وصحب المرزي ، وسهلاً التستري .

إلى أنْ قال : وكان شديداً على أهل البدع ، فما زالوا يثقلون قلب السلطان عليه ، وكان ينزل بباب المحول ، وانتقل إلى الجانب الشرقي ، واستتر عند أخت توزون فبقي نحـواً مـن شهـر ، ثم أخـذه قيام الدم فمات .

وقال فيه الذهبي : شيخ الحنابلة ، القدوة الإمام .

إلى أنْ قـال : كـان قـوالاً بالحـق ، داعيـة إلى الأثـر ، لا يخـاف في الله لومـة لائم .

10- فتنة أبي بكر المروزي الحنبلي مع العامة ( عوام الناس)

نقل هذه الفتنة الحافظ ابن الأثير في الكامل ، حيث قال أثناء كلامـه عـن حوادث سنة (317هـ) : وفيها وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي وبين غيرهم من العامة ، ودخل كثير من الجند فيها ، وسبب ذلك أنّ أصحاب المروزي قالوا في تفسير قوله تعالى : ( عسى أنْ يبعثك ربك مقاماً محموداً ) هو أنّ الله سبحانه يقعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معه على العرش وقالت الطائفة الأخرى : إنما هو الشفاعة ، فوقعت الفتنة ، فقتل بينهم قتلى كثيرة .

قال الحافظ ابن كثير بعد أنْ ذكر الحادثة في تاريخه : وقد ثبت في صحيح البخاري أنّ المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى ، وهي الشفاعة في فصل القضاء بين العباد .

11- فتنة الحنابلة مع البكري المغربي

ذكر هذه الفتنة الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة البكري المغربي ، وذكر أنه أشعري ووصفه بالواعظ العالم وقال : وفد على النظام الوزير فنفق عليه وكتب له توقيعا بأن يعظ بجوامع بغداد ، فقدم وجلس واحتفل الخلق فذكر الحنابلة وحط وبالغ ونبزهم بالتجسيم ، فهاجت الفتنة وغلت بها المراجل ، وكفّر هؤلاء هؤلاء ، ولما عزم على الجلوس بجامع المنصور قال نقيب النقباء : قفوا حتى أنقل أهلي ، فلا بد من قتل ونهب ، ثم أغلقت أبواب الجامع وصعد البكري وحوله الترك بالقسي ولقب بعلم السنة فتعرض لأصحابه طائفة من الحنابلة ، فشدت الدولة منه وكبست دور بني القاضي ابن الفراء وأخذت كتبهم وفيها كتاب فكان يقرأ بين يدي البكري وهو يشنع ويشغب ، ثم خرج البكري إلى المعسكر متشكيا من عميد بغداد أبي الفتح بن أبي الليث .

وقيل : إنه وعظ وعظّـم الإمام أحمـد ثم أصحهما ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) ، فجاءته حصاة ثم أخرى فكشف النقيب عن الحال فكانوا ناساً من الهاشميين حنابلة قد تخبئوا في بطانة السقف فعاقبهم النقيب ثم رجع البكري عليلا وتوفي في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربع مئة .

12- فتنة الحنابلة مع القيرواني

وصف الذهبي أبا عبد الله محمد بن عتيق القيرواني التميمي المعروف بابن أبي كديه بقوله : العالم الأصولي شيخ القراء .

وقال فيه شيخ الحنابلة ابن عقيل : هو شيـخ هش حسـن العارضـة جـاري العبارة حفظة متدين صلف تذاكرنا فرأيته مملوءا علما وحفظا .

قال الذهبي في ترجمته : وقال السلفي : كان مشارا إليه في الكلام قال لي : أنا أدرس الكلام من سنة ثلاث وأربعين ، جرت بينه وبين الحنابلة فتن وأوذي غايـة الإيـذاء سألتـه عن مسألـة الاستواء ، فقـال : أحـد الوجهين للأشـعري أنه يحمل على ما ورد ولا يفسر .

قال الذهبي : وقال أحمد بن شافع : قال ابن ناصر وجماعة : كان أصحاب القيرواني يشهدون عليه أنه لا يصلي ولا يغتسل من جنابة في أكثر أحواله ، ويرمى بالفسق مع المرد واشتهر بذلك ، وادعى قراءة القرآن على ابن نفيس .

قال الذهبي بعد ذلك : قلت : هذا كلام بهوى .

,,,,,,

أما الآن بعد حوادث قتل زنادقة مصر ممن وثب على الحكم للمسلمين فأكبر منابر الحنابلة ومنابر الأشعرية تتوحد اليوم بعد طول جفاء وشقاق على نصرة العلمانية والعسكر الكفار وخدمة المشروع الأمريكي الرومى في المنطقة.

ولا عجب؛ فكثير من كبار الفريقين بعمد وبغير عمد كانا يخدمان تلك المصالح في ثياب نصرة السنة وقت أن كانت الردود محتدمة بين الفريقين تاركَين الخطر الأعظم بلا تنبيه ولا تحذير

فأدعياء الأشعرية كعلى جمعة ومن لف لفه لا يعرفون من الأشعرية إلا رمي ابن تيمية بالتجسيم، ولا من التصوف إلا التمايل وهزّ الأبدان وادعاء رؤية النبي في اليقظة، أما الإنصاف ونبذ الشقاق وتهذيب النفوس من الغل والحقد فهم عنه بمعزل!!

ولسان حال غلاة الحنابلة من علماء بلاد الحرمين:

ولى أمرنا ومليكنا يا إمام أهل السنة

افعل ما شئت اسرق اقتل ادعم الصليبيين ارسل غلمانك اللبراليين لينشروا الفساد

ادعم طواغيت الأمصار ليقتلوا شعوبهم المسلمين وأعنهم على الفساد في الأرض

سنبرر أفعالك وندافع عنها طالما تبنيت ونصرت مذهبنا  وتركتنا نقول أن أئمتنا الحنابلة لا يأتيهم الباطل من بين يديهم ولا من خلفهم

ما أرخص ما باع غلاة الحنابلة والأشاعرة الدين بالمذهب

 

سلسلة كشف حقيقة أسماء مشهورة … (1) ابن العربي الأشعري المالكي

سلسلة كشف حقيقة أسماء مشهورة … (1) ابن العربي الأشعري المالكي

هذه سلسلة موضوعات سأبدأها بإذن الله أحاول أن أجلي فيها حقيقة بعض الرجال المنسوبين إلى العلم الشرعي وهم يخالفونه كثيراً أو لا يستحقون أن ينسبوا إليه أصلاً وقد قاموا بالطعن في أئمة النص ومنهم أهل الظاهر محاولاً الذب عن أهل النص وكاشفاً عوار هؤلاء ودوافعهم الخفية .
إن النكير على فقه النص والظاهر طرأ في العصور المتأخره عندما شرع ابن حزم رحمه الله بمنهج النقد المباشر ونسب المناكير الفقهية الى من صنعها و ببيان العوار وكشف الستار ! فتململ القوم ونخطوا ! .
و ومن هؤلاء
(1) ابن العربي الأشعري المالكي..
قد أقذع ابن العربي الأشعري المالكي في ابن حزم حتى كاد يكفره وقد ألمح إلى ذلك في بعض مسائله على سورة البقرة في كتاب أحكام القران وقد رد عليه الذهبي وقال : مع أن ابن العربي رحمه الله لم يبلغ مبلغ ابن حزم و لا يكاد !
.الغريب أن ابن العربي رحمه الله رأى ابن عقيل الحنبلي في مجلس في أثناء رحلته إلى الشام والعراق قال : فالتفت الينا ابن عقيل واستشهد بآية يريد بها نفي رؤية الله يوم القيامة ! أو كما قال ومع هذا لم يقذع فيه كما أقذع في ابن حزم !!!! وقد ذكر هذه القصة عنه محب الدين الخطيب في مقدمته على العواصم .
قال ابن العربي :في حق أهل الظاهر وابن حزم: هي أمة سخيفة، تسورت على مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم نفهمه ، تلقوه من إخوانهم الخوارج .. وكان أول بدعة لقيت في رحلتي القول بالباطن، فلما عدت، وجدت القول بالظاهر قد ملا به المغرب سخيف كان من بادية إشبيلية يعرف بابن حزم، نشأ وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الامة يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرا للقلوب منهم، وخرج عن طريق المشبهة في ذات الله وصفاته، فجاء فيه بطوام، واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدليل كاعوا ، فيتضاحك مع أصحابه منهم، وعضدته الرئاسة بما كان عنده من أدب، وبشبه كان يوردها على الملوك، فكانوا يحملونه، ويحمونه، بما كان يلقي إليهم من شُبه البدع والشرك , وفي حين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم لافحة …
صرح الإمام الذهبي بأن القاضي ابن العربي قد بالغ في الاستخفاف بابن حزم

أما الجواب على ما قاله ابن العربي هذا :

قال الشيخ ابن تميم حفظه الله ما مختصره :
الجزء الأول من قوله: ( هي أمة سخيفة، تسورت على مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم نفهمه ، تلقوه من إخوانهم الخوارج )
قوله أنها أمة سخيفة، فهو بهذا يشهد على أبيه بأنه سخيف مثلهم، إذ لو كان الإمام ابن حزم سخيفاً كما يدعي، فإن أباه جالسه واختص به سنين عديدة، فلا يجلس مع السخيف إلا سخيفاً مثله، وهذا لا نقوله نحن عن أبيه، ومعاذ الله أن تأخذنا العصبية والمذهبية إلى هذا المذهب الكاذب القبيح.
أما التسور على مرتبة ليست لهم، فما هي تلك المرتبة ؟! أليست مرتبة الاجتهاد ونبذ التقليد التي لم يستطع ابن العربي المالكي من الولوج فيها، إلا وفق أصول المالكية التي قلدها، ثم اجتهد في الفروع بحسب ما يرى، أيريد من أهل الظاهر أن يتبعوه في التقليد ؟! فهذا قول يريد صاحبه أن يحرم غيره من نعمة الترقي في سلك العلم حتى الولوج في الاجتهاد في الأصول والفروع كما أمر الله تعالى بما توجبه القواطع اليقينية التي لا يحبها أهل التقليد.
أما قوله أنهم تلقوا ذلك من الخوارج فشتان بين أهل الظاهر والخوارج، وليت شعري كيف يكون قول الإمام ابن حزم هو قول الخوارج وهو خصمهم، فهو يبطل الخروج، ويبطل التكفير بالذنب، ويبطل إخراج أحد من الدين إلا بيقين، ويبطل القول بالتكفير بترك العمل جملة، كل ذلك أبطله عن نص ويقين، والخوارج يخاصمونه في ذلك، فكيف يكون قول أهل الظاهر أخذوه من الخوارج، ولو شئنا أن نفرد كتاباً في الأصول التي أبطلها أهل الظاهر، وقال بها الخوارج لكتبنا في ذلك الشيء الكثير، فهذا القول قول متعصب مردود لا حجة له عليه.
وقد وصفه الإمام ابن حزم ومن مثله من أهل الرأي والمذاهب كلهم أنهم أشباه اليهود في مسألة التعليل، وافقوهم في ذلك الأصل وقالوا بقولهم فيه، فهذا وصف بوصف، فما زاد في ذلك وما أنقص.
الجزء الثاني من قوله: إيهام ابن العربي المالكي بعدم وجود أهل الظاهر:
كأن ابن العربي حين يقول أنه لما عاد إلى الأندلس وجد الظاهر منتشراً أنه لم يكن كذلك قبل أن يولد ! وهذا من العجب، إذ أثبت أهل التاريخ والتراجم رغم أنف ابن العربي أن القول بالظاهر كان فاشياً في أهل الأندلس والغرب، وأن من أوائل الذين نشروه كانوا من تلاميذ داود الظاهري، وتلاميذ ابنه، وتلاميذ ابن المغلس، وهم كثرة في الأندلس لا يحجبها غربال.
وكيف يكون قوله صحيحاً وقد كان قاضي الجماعة في الأندلس قبل أن يولد ابن العربي بعشرات السنين الإمام منذر بن سعيد البلوطي، وقد تولى تولية القضاة وتنصيبهم، وكان قاضي الجماعة في قرطبة، وطلب الاعتزال من الحكم بعد الناصر وأبى عليه ذلك حتى توفي في حدود سنة 350 من الهجرة، فأين كان خاطر ابن العربي حين زعم أن الظاهرية انتشرت بعد أن عاد، وكأنها لم تكن هناك قبل ذلك !
وكيف يكون هذا منه وهو يعلم أن أباه هو من أخص تلاميذ الإمام ابن حزم والذي قال وصفه بأنه كان من بادية إشبيلية !
الجزء الثالث من قوله: قوله: ( وجدت القول بالظاهر قد ملا به المغرب سخيف كان من بادية إشبيلية يعرف بابن حزم، نشأ وتعلق بمذهب الشافعي، ثم انتسب إلى داود، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الامة يضع ويرفع، ويحكم ويشرع، ينسب إلى دين الله ما ليس فيه ).
نقول : ما شاء الله من بدوي ينام ويأكل ويشرب في بيت وزارة، وما شاء الله من بدوي هذا يملك أهله ناحية من نواحي قرطبة بقراها وضياعها، ويسكن القصور، لذلك حق للعلامة ابن عقيل أن يعلق على هذا القول ويقول ما معناه: ( حق للمجمع اللغوي أن يجعل معنى البدوي دالاً على الغنى والترف والنعيم ) لأن ابن العربي المالكي أطلقه على ابن حزم وهو ابن الوزير، والذي ربته الجواري، وحفظته القرآن والآداب والشعر !
أما قوله: ( خلع الكل، واستقل بنفسه وزعم أنه إمام الأمة يضع ويرفع ويحكم ويشرع وينسب إلى دين الله ما ليس فيه ): فإذا كان يريد بخلع الكل وأنه استقل بنفسه: عدم تقليد الكل فهذا هو الحق الذي جاء النص به، ولم يأت بشيء يوافق قول ابن العربي المالكي المقلد لمالك في أصوله وجملة فروعه.
أما قوله: ( زعم أنه إمام الأمة يضع ويرفع) فهذه إن نزهنا ابن العربي المالكي من الكذب قلنا هي نقل خاطئ، إذ لم يقل الإمام ابن حزم أنه إمام الأمة ألبتة، وما دعى لنفسه، وقد قال ذلك في الإحكام، وفي بقية كتاب الإعراب في الفصل الذي لم يحققه المحقق، فما زعم رحمه الله هذا الزعم ألبتة، فهذا من غير المقبول من ابن العربي .
أما قوله: ( يحكم ويشرع ): فليس هذا لابن العربي المالكي، ولا مالك نفسه، ولا ابن حزم، ولا أحمد، ولا يحكم ويشرع إلا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يحكم الأئمة من أهل الظاهر بشيء إلا عن نص صحيح، وهذا هو شرع الله تعالى، والذي كان عليه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه، والذي أمر به، العمل بالإسلام كما أنزله الله تعالى، بلا حكم برأي وظن وتغيير وتبديل وزيادة، فليس لأحد كلمة عن الإمام ابن حزم فيها أنها يحكم بلا نص، وهذا لا يجده لا ابن العربي المالكي ألبتة.
وليت شعري ماذا يقول ابن العربي المالكي في قول مذهبه الذي يقلده بالرأي والظن، والتشريع والحكم بما ليس فيه حكم لله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وكتبهم وكتب أمثاله من أهل التقليد طافحة بذلك، فهذا الحكم والتشريع بلا نص، والذي حقه التشنيع لا العامل بنص الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أما قوله: ( ينسب إلى دين الله ما ليس فيه ): فليت شعري كيف يكون العمل بظاهر النص الذي هو محل اتفاق بين الجميع هو نسبة إلى دين الله ما ليس فيه، والجميع يقول أن الظاهر هو الأصل، ولا ينتقل عن الظاهر إلى غيره إلا بدليل، فإن لم يقم دليل قطعي فيستمر أهل الظاهر وأهل الحق من غيره على هذا الظاهر حتى يقوم دليل قطعي على عدم إرادته.
فكيف يكون الحكم بالظن ليس نسبة شرع إلى الله وهو ليس في دين الله، فنسألهم عن من ينكح أخته من الرضاع عند المالكيين، وهو يعلم ذلك وأنه حرام كيف لا يكون عليه الحد ؟ أوجدوا هذا في كتاب الله أو في ظنهم الفاسد عقلهم ؟! هذه هي النسبة إلى دين الله وهي ليست فيه بيقين، لا العامل بالنص وحده واللغة، وما أجمع عليه الصحابة، وما جاءت به اللغة.
الجزء الرابع من قوله: قوله ( ويقول عن العلماء ما لم يقولوا تنفيرا للقلوب منهم ).
نقول: هذا ما حاول غير ابن العربي المالكي إثارته، وما أفلحوا ألبتة، والإمام ابن حزم ينقل عن المذاهب من كتبهم، ولا ينقل من رأسه، وقد نقل مسائل من كتاب الطحاوي، والآن لا نجد هذا الكتاب، ولكن نجد مختصره وهو مختصر اختلاف العلماء.
وقد أكثر من النقل من كتابه الكبير في الإحكام، ولم ينكره مقلدة أبي حنيفة النعمان في عصره، ولا في عصر لاحق بعده، وكذلك نقل عن المالكيين والشافعيين من كتبهم، لم يتقول عليهم بشيء.
فأحياناً ينقل النص كما هو، وأحياناً ينقله بمعناه، ولا يتجاوز ما عندهم، ولا ينسب إليهم ما لم يقولوه، فإن لم نجده نحن في زماننا لضياع الكتب التي نقل منها، لا يعني أنها غير موجودة، والعبرة في ذلك النظر في كتب المتقدمين من هذا المذهب، والنظر في نفيهم لما نسب إليهم، ولم نجد هذا والحمد لله، فصح عندنا أنه دقيق في نقله، وإن فقدنا بعض الكتب التي نقل منها.
قوله: ( واتفق كونه بين قوم لا بصر لهم إلا بالمسائل، فإذا طالبهم بالدليل كعوا، فيتضاحك مع أصحابه منهم ).
نقول : هذه حكاية لا سند لها، وابن العربي المالكي ليس بقريب عهد من الإمام ابن حزم حتى يعرف هذه القصة، وكيف تصح هذه القصة والإمام ابن حزم ضرب مثالاً في الإنصاف، وذلك ما قاله في رسائله حين ناظر خصمه، ثم لما قطعه، وعاد إلى بيته ظهر له أن دليله خطأ، فكان يريد العودة إلى خصمه ليظهر له هذا الخطأ لولا أن الليل قد دخل، فأجله إلى اليوم الثاني، وكيف يظن جاهل أو عالم بإمام من أئمة السنة يكون هذا فعله الذي يعف عنه صغار طلبة العلم !
وليت شعري إذا كانوا لا يعرفون الأدلة فما رأينا من ابن العربي المالكي في كتبه التي كتبها ما فيه إبطال لمذهب أهل الظاهر، إنما فيه إلزام لأهل الظاهر بما لا يلزمهم، وهذا من العجب، فليته أبطل حجج الظاهرية في كتبه على طريقة أهل الظاهر، حتى يظهر لنا حسن النظر في الأدلة.
وليت شعري أيضاً لو كان عنده دليل لإبطال مذهب أهل الظاهر وقولهم لما احتاج إلى هذا التهويل والتشنيع الذي لا برهان له علي شيء منه.
قوله: ( وعضدته الرئاسة بما كان عنده من أدب، وبشبه كان يوردها على الملوك، فكانوا يحملونه، ويحمونه، بما كان يلقي إليهم من شُبه البدع والشرك ):
أما هذه فعجب آخر من نقل ابن العربي المالكي، حين كان والد ابن حزم وزيراً كان الإمام ابن حزم صغيراً، ولازال بعد في طور التعلم والتلقي، فكيف عضدوه حينها لا أدري ؟!
ثم إن الإمام رحمه الله صرح بنفسه أنه ما صنف وكتب أكثر كتبه إلا وهو طريد مشرد عن الديار والأحباب والأهل، فكيف ساعدته الرياسة على ذلك لا أدري ؟!
أما قوله: أنه كان يورد الشبه على الملوك وأنه يحمونه فما هي تلك الشبه ليته أخبرنا بها، وليت غيره من عصره إلى يومنا هذا يخبرنا ما هي الشبه التي كان يوردها ابن حزم عليهم ؟
وكيف يحمونه وهو ما طورد وأوذي إلا من الملوك، فقد سجنوه لصحة المرتضى، وتوليه الوزارة له، وحرقوا بعض كتبه، فأي حماية كانت له ؟! وهذا القول هو سلف من يرمي كل من يخالفه بأنه متواطئ مع الحاكم كما نشاهد اليوم للتهويل والتشنيع والتحذير من تلقي الناس منه، فما أشبه اليوم بالبارحة !
أما قوله: ( بما كان يلقي إليهم من شبه البدع والشرك ): فما شاء الله من بدع وشرك تدعو إلى رد البدع والشرك، وتدعو للأخذ بنصوص الله وترك رأي الرجال، وهذا كسابقه، ليت العلماء يظهرون لنا ما هي هذه البدع ومسائل الشرك التي كان يلقيها ابن حزم على الملوك، فها هي كتبه ليس فيها ما يشير إليه ابن العربي المالكي، فإما أن يكون هذا في كتاب لم يصلنا، وإن كان كذلك لظهر في قول العلماء وشنعوا عليه فيها، وما ظهر هذا إلا من متعصب يشنع بلا وجه حق، وإما أن يكون هذا من الوحي بالغيب، فإن كان كذلك فليس لنا إلا التسليم !
قوله: ( وفي حين عودي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم لافحة ).
أما الضلال فلا يوصف أهل الظاهر بالضلال ألبتة، لأنهم لم يكذبوا، ولم يشنعوا بلا وجه حق، ولا قالوا إلا ما نص الله تعالى عليه، فإن قال أحدهم بخلاف ذلك فهو مخطئ، فإن أقمنا عليه الحجة فهو مبتدع بلا شك وقد يصل به الأمر إلى الكفر.
أما الإمام ابن حزم صاحب راية حفظ السنة نشر الحديث، وصاحب السنة الحميدة، فليس ممن يوصف بهذا الوصف، ومن أراد وصفه فليقم لنا هذا البرهان الجلي الذي يؤيد قوله، ولو كان مجرد قول ابن العربي الأشعري المالكي أنه ضال أو من كان على مذهبه لمجرد كونهم من أهل الظاهر، فما الفرق بين قول غيره أنه نفسه ضال هالك ؟ فتلك دعوى بدعوى، ونحن لا نقول ذلك عنه، ونبغض هذا التشنيع منه .
فكل ما نقله هؤلاء لا ينفعهم في دعواهم عدم الاعتداد بقول ابن حزم أو غيره من أهل الظاهر في الدين جملة أو في الجرح والتعديل إذ هي مجرد طعون لا وزن لها في ميزان بحث ودراسة شيء علمي ..

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

نعم أخي الكريم راشد وسيتبين لك أخي الحبيب المزيد من أكاذيبه الوقحه في هذه المشاركة :

المزيد من بلايا ابن العربي الأشعري المالكي:

1-ذمه وتهكمه على محدث الأندلس وحافظها قاسم بن أصبغ واتهامه له هو وداود الظاهري وابن المغلس ومنذر بن سعيد وابن حزم بالكفر لإنكارهم القياس واقتصارهم على الكتاب والسنة…حيث قال في كتاب عارضة الأحوذي (10/109-112) عند شرح حديث ستفترق أمتي ((…. وكان عندنا رجل يقال له قاسم بن أصبغ رحل وروي الحديث وعاد فأسند وادعى أنه لا قياس ولا نظر…..كما أن الطائفة الأولى صنف من الخوارج (يقصد من ذكرت) وفرع من فروعهم لأنهم الذين ابتدعوا هذا أولاً وقالوا لا حكم إلا لله….ولكنه أمر استشرى داؤه وعز عندنا دواؤه وأفنى الجهلة به فمالوا إليه وغرهم رجل كان عندنا يقال له ابن حزم انتدب لإبطال النظر وسد سبيل العبر ونسب نفسه إلى الظاهر اقتداءا بداود وأشياعه فسود القراطيس وأفسد النفوس ….)

2-أنكر في العواصم من القواصم قصر الأحكام على الكتاب والسنة حيث قال ((وأما قولهم إن الله لم يأمرنا بأن نقتدي بأحد ولا نهتدي بغيره فكذب على الله ورسوله …..وغريبة أمرهم أنهم يقولون : لا رجوع إلى النص عن الله وعن رسوله وهي كلمة مخترعة لم تجر على لسان أحد قبل الشافعي أخذتها منه الشيعة …..))
ويقول أيضاً مكابراً ((بأي نص تردون الأمر إلى النص وهم لا يجدونه أبداً))

3-زعم في نفس الكتاب السابق أن الله لم يضمن الحفظ للحديث وإنما ضمنه للقرآن
أقول : يا لفرح فرقة القرآنيين منكري السنة بك يا ابن العربي !!!

4-تجويزه للحكم بغير ما أنزل الله فقال (( فإذا قالوا هم لا حكم إلا بنص قلنا : ولا نص على من ترك النص))
يا لعناد الشرع وفرحة العلمانيين وأصحاب القانون الوضعي بك يا ابن العربي

5- زعمه بأن الظاهرية إخوان لليهود في نفس الكتاب

6-ويقول في كتابه أحكام القرآن في تفسير قوله تعالى ((حتى يطهرن)) …وأما داود فإنا لم نراع خلافه ؛ لأنه إن كان يقول بخلق القرآن ويضلل أصحاب محمد في استعمالهم القياس كفرناه !!!

ويوجد كلام آخر قبيح نكتفي بما سبق ونرفق الرد على كل هذه المقالات القبيحة الشنيعة وغيرها للعلامة ابن عقيل الظاهري 

بماذا أجاب العلامة ابن عقيل حفظه الله عمن لامه على بيان حقيقة ابن العربي المالكي الطاعن البذيء في أهل العلم الكبار ؟
في سؤال وجهه البعض إلى سيدي الوالد العلامة فقيه العصر وكل مصر عما قاله عن ابن العربي المعافرى :

…… ولكن ورد في كتابك (ابن حزم خلال ألف عام) عن أكبر علماء المالكية (وهو ابن العربي، وهو عالم مفسر) نقدٌ، ونعتَّه بأنه جاهل، متمعلم،.. هل هذا انتصار لشيخك؟ وأين توقير العلماء وطلبة العلم؟

أجاب حفظه الله وسدده وجعله شوكة في حلوق أهل البدع وفاضحاً لأهل الضلال والزيغ :

- أصلحك الله يا ساري.. إن الأعراض -حمانا الله- غير هذا.. وقولك عن القاضي أبي بكر ابن العربي -وقد بلوتُ كل كتبه المطبوعة، وما وصل إلى يدي من كتبه المخطوطة-: (من أكبر علماء المالكية) كلام غير صحيح.. لا والله، بل هو من أكبر مقلِّديهم، وقد أعاد المسلمون صلاة الجماعة لما شحن خطبته بحديث موضوع.. وما تراه في رحلته المطبوعة خطأ بعنوان: ( قانون التأويل) لورود هذا العنوان في المخطوط، وإنما العنوان لتفسيره، فهو شهادة منه لنفسه ينقلها عن آخرين.
تطاول وسطو
وما في كتبه من تحقيق سطْوٌ منه على مثل القشيري وأبي حامد الغزالي -رحمهما الله تعالى- وليس عنده إلاّ نقل أقوال المالكية مع كثرة الاعتذار والإحالة في كتبه.. وما فعلته انتصار للعلماء، وانتصار للإمام ابن حزم وللعلماء من أئمة المسلمين؛ فالعلماء (وانظر مقدمتي لكتاب التقريب في المنطق بتحقيق الشيخ عبدالحق التركماني) من الأئمة استخف بهم، وقال في حقهم قولاً سفيهًا يليق به؛ فقد تطاول على الأئمة مثل الشافعي وأبي حنيفة، وابن جرير، والجصاص، وابن سريج، وغيرهم؛ فلم يسلم منه أحد بنقدهِ للقائل لا القول، وبإقذاع، ولم يتقِّ الله، إذ قال عن أحد الأئمة من غير الظاهرية: (هذه فتوى يهودية)، وتعدى قدره فوصف الظاهريين بالحمير، وتطاول بكتبٍ له في الرد عليهم لم يقرأها غيره، وأقذع في حق شيخ أبيه الإمام ابن حزم -رحمه الله تعالى- ووصفه بالسخف، ولو عاصر أبا محمد لدحضه أبو محمد في بوله، كما دحض ابن البارية والعتقي، وقد استبرد الحافظ الذهبي -رحمه الله- سفاهة ابن العربي في حق الإمام ابن حزم، وهو لا يصل زبد مُجَّةٍ من لُجِّ الإمام البحر العباب أبي محمد -رحمه الله- بل تجد لابن العربي في كتابه أحكام القرآن إدلالاً على العلماء كافة، وتصريحًا بأنه استدرك على العلماء ما فات علمهم وقرائحهم، ثم تجد كلامه كله ممّا بحثه العلماء، وتجد بعضه خاطئًا في تفسيره كتفسيره لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )، وهي للامتنان والإباحة معًا؛ فأنكر الإباحة جهلاً ومكابرة، وما لم يُبح كأكل التراب فهو للامتنان؛ لأن في التراب منفعة، والإباحة منظَّمة بالإحالة إلى نصوص الشرع الأخرى. وعندي أن من العلم النافع التصدِّي لأمثال ابن العربي في سفاهته على الأئمة، وكسر حاجز المكابرة في تقليده المستميت، والاستفادة من أي حق يوجد، وردُّه إلى أهله إن عُرفوا، وما هتكت ستار العدل في قولي (جاهل متمعلم)، فهذا وزنه في المقارنة مع مثل الإمام الشافعي -رحمه الله- وقد استخف به، والانتصار للأئمة وللأقوال المحقَّقة باجتهاد واجب.
المصدر :
جريدة المدينة , عدد 22 يناير 2010
مواجهة: ساري محمد الزهراني

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
والمذكور لم يسلم باقي أهل الحديث من لسانه
فهو يقول عن الشافعي في كتابه أحكام القرآن :
* ((وقال الشافعي : هي آية في أول الفاتحة ، قولا واحدا ؛ وهل تكون آية في أول كل سورة ؟ اختلف قوله في ذلك ؛ فأما القدر الذي يتعلق بالخلاف من قسم التوحيد والنظر في القرآن وطريق إثباته قرآنا ، ووجه اختلاف المسلمين في هذه الآية منه ، فقد استوفيناه في كتب الأصول ، وأشرنا إلى بيانه في مسائل الخلاف ، ووددنا أن الشافعي لم يتكلم في هذه المسألة ، فكل مسألة له ففيها إشكال عظيم .))
* ويقول ((…ومنهم من أجرى أوله مجرى الإخبار وأجرى آخره مجرى الشهادة ، وهو الشافعي ؛ وهذا تحكم ولا عذر له في الاحتياط للعبادة …))
* ويقول ((ولعل المولى فيها هي الخامسة أو بنت أخيه أو أخته ؛ فهذا لغو من قول الشافعي ولا يلتفت إليه .))
* ويقول ((قوله تعالى : { ذلك أدنى ألا تعولوا } اختلف الناس في تأويله على ثلاثة أقوال : الأول : ألا يكثر عيالكم ؛ قاله الشافعي .
الثاني : ألا تضلوا ؛ قاله مجاهد .
الثالث : ألا تميلوا ؛ قاله ابن عباس والناس .
وقد تكلمنا عليه في رسالة ” ملجئة المتفقهين ” بشيء لم نر أن نختصره هاهنا : قلنا : أعجب أصحاب الشافعي بكلامه هذا ، وقالوا : هو حجة لمنزلة الشافعي في اللغة ، وشهرته في العربية ، والاعتراف له بالفصاحة حتى لقد قال الجويني : هو أفصح من نطق بالضاد ، مع غوصه على المعاني ، ومعرفته بالأصول ؛ واعتقدوا أن معنى الآية : فانكحوا واحدة إن خفتم أن يكثر عيالكم ، فذلك أقرب إلى أن تنتفي عنكم كثرة العيال .
قال الشافعي : وهذا يدل على أن نفقة المرأة على الزوج .
وقال أصحابه : لو كان المراد بالعول هاهنا الميل لم تكن فيه فائدة ؛ لأن الميل لا يختلف بكثرة عدد النساء وقلتهن ، وإنما يختلف بالقيام بحقوق النساء فإنهن إذا كثرن تكاثرت الحقوق .
قال ابن العربي : كل ما قال الشافعي أو قيل عنه أو وصف به فهو كله جزء من مالك ، ونغبة من بحره ؛ ومالك أوعى سمعا ، وأثقب فهما ، وأفصح لسانا ، وأبرع بيانا ، وأبدع وصفا ، ويدلك على ذلك مقابلة قول بقول في كل مسألة وفصل .))
* ويقول ((هذا منتهى كلام الشافعي ، وأصحابه يفرحون به ، وليس فيه ما يلتفت إليه ولا يشبه نصابه في العلم …))
* ويقول أيضاً ((المسألة الحادية عشرة : قوله عز وجل : { فاغسلوا } : وظن الشافعي وهو عند أصحابه معد بن عدنان في الفصاحة بله أبي حنيفة وسواه أن الغسل صب الماء على المغسول من غير عرك ، وقد بينا فساد ذلك في مسائل الخلاف …))
* ويقول ((المسألة الثامنة : قوله تعالى : { أو تقطع أيديهم } قال الشافعي : إذا أخذ في الحرابة نصابا .
قلنا : أنصف من نفسك أبا عبد الله ووف شيخك حقه لله …..))
ولو تتبعنا لوجدنا الكثير والأفظع ….
* أنكر في العواصم من القواصم قصر الأحكام على الكتاب والسنة حيث قال ((وأما قولهم إن الله لم يأمرنا بأن نقتدي بأحد ولا نهتدي بغيره فكذب على الله ورسوله …..وغريبة أمرهم أنهم يقولون : لا رجوع إلى النص عن الله وعن رسوله وهي كلمة مخترعة لم تجر على لسان أحد قبل الشافعي أخذتها منه الشيعة …..))
>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
المتتبع لكتب ابن العربي كثيراً ما تقع عيناه على بلايا وطامات وهذا آخر ما رأيته منها :
هذه مناظرة بين حنفي وشافعي في مسألة قتل المسلم بالكافر حكاها ابن العربي المالكي ا؟لأشعري في كتابه أحكام القرآن فقد قال:(.. ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة سبع وثمانية وأربعمائة فقيه من عظماء أصحاب أبي حنيفة يعرف بالزوزني زائراً للخليل (يبدو أنه يجيز شد الرحال إلى القبور ولا ينكرها !!!!!) صلوات الله عليه فحضرنا في حرم الصخرة المقدسة (يعتبر الصخرة حرم!!!!)طهرها الله معه، وشهد علماء البلد، فسئل على العادة عن قتل المسلم بالكافر، فقال: يقتل به قصاصاً؛ فطولب بالدليل فقال: الدليل قوله تعالى (ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى..) وهذا عام في كل قتيل.
فانتدب معه للكلام فقيه الشافعية بها وإمامهم عطاء المقدسي وقال: ما استدل به الشيخ الإمام لا حجة فيه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله سبحانه قال: (كتب عليكم القصاص) فشرط المساواة في المجازاة، ولا مساواة بين المسلم والكافر فإن الكفر حطّ منزلته ووضع مرتبته.
الثاني: أن الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها، وجعل بيانها عند تمامها فقال: (كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى..) فإذا نقص العبد عن الحر بالرق وهو من آثار الكفر، فأحرى وأولى أن ينتقص عنه الكافر. الثالث: أن الله سبحانه وتعالى قال: (فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف) ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر، فدلّ على عدم دخوله في هذا القول.
فقال الزوزني: بل ذلك دليل صحيح، وما اعترضت به ولا يلزمني منه شئ. أما قولك: إن الله تعالى شرط المساواة في المجازاة وكذلك أقول. وأما دعواك أن المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص غير معروفة فغير صحيح؛ فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص، وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد، فإن الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم محقون الدم على التأبيد ، وكلاهما قد صارا من أهل دار الإسلام، والذي تحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى في مال المسلم؛ فدل على مساواته لدمه؛ إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. وأما قولك: إن الله تعالى ربط آخر الآية بأولها فغير مسلم به؛ فإن أول الآية عام وآخرها خاص وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها؛ بل يجري كل على حكمه من عموم أو خصوص. وأما قولك: إن الحر لا يقتل بالعبد فلا أسلم به، بل يقتل به عندي قصاصاً، فتعلقت بدعوى لا تصح.
وأما قولك: (فمن عفي له من أخيه شئ) يعني المسلم، فكذلك أقول، ولكن هذا خصوص في العفو؛ فلا يمنع من عموم ورود القصاص، فإنهما قضيتان متباينتان؛ فعموم إحداهما لا يمنع من خصوص الأخرى، ولا خصوص هذه يناقض عمومَ تلك. وجرت في ذلك مناظرة عظيمة حصلنا منها فوائد جمة؛ أثبتناها في نزهة الناظر) إهـ أحكام القرآن (1/61) .
>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
وهذه طامة أخرى للمذكور :
ابن العربي سمع ابن عقيل الحنبلي في رحلته إلى العراق يقول : مذهب أحمد أن ضعيف الأثر خير من قويِّ النظر , فقال أى ابن العربي : وهذه وهلةٌ من أحمد لا تليق بمنصبه !!!

قال الزركشي : قال شيخنا شرف الدين ابن قاضي الجبل : وإنما أتي من أنكر هذه اللفظة على أحمد لعدم معرفته بمراده ؛ فإن الضعيف عند أحمد غير الضعيف في عرف المتأخرين
هذا الأشعري ابن العربي يستخدم وقاحته في النيل من إمام أهل السنة رحمه الله بسبب حقده الدفين وكراهيته لأهل السنة والجماعة وهيهات …

واعتذار الزركشى وابن قاضى الجبل له لا يفيده فهو إما ذو لسان وقح يفترى على الإمام أحمد أو جاهل لا يعرف علم الحديث وأغلب ظنى أنه يجمع بين الصفتين الكذب بوقاحة والجهل بعلم الحديث فقد ثبت عليه الخطبة بحديث موضوع .

وصدق من قال :
لا يروع الصقور في مرتقاها * ضرطة الثور أو عواء الذئاب

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
والمذكور لا يتبع الدليل بل ينكر على من يعمل به :
1-أنكر في العواصم من القواصم قصر الأحكام على الكتاب والسنة حيث قال ((وأما قولهم إن الله لم يأمرنا بأن نقتدي بأحد ولا نهتدي بغيره فكذب على الله ورسوله …..وغريبة أمرهم أنهم يقولون : لا رجوع إلى النص عن الله وعن رسوله وهي كلمة مخترعة لم تجر على لسان أحد قبل الشافعي أخذتها منه الشيعة …..))
2-زعم في نفس الكتاب السابق أن الله لم يضمن الحفظ للحديث وإنما ضمنه للقرآن
أقول : يا لفرح فرقة القرآنيين منكري السنة بك يا ابن العربي !!!
3-تجويزه للحكم بغير ما أنزل الله فقال (( فإذا قالوا هم لا حكم إلا بنص قلنا : ولا نص على من ترك النص))
يا لعناد الشرع وفرحة العلمانيين وأصحاب القانون الوضعي بك يا ابن العربي

فهذا غيض من فيض لهذا المتعالم الكذاب فينبغى تحذير الناس من مقالاته الخبيثة

* ابن العربي من المعظمين لعلم الكلام بالإضافة إلى أشعريته المعروفة ويستخدم في الترويج لعلم الكلام أخبار واهية !
ذكر الشاطبي-وهو يماثل ابن العربي في مالكيته وأشعريته وكرهه لأهل النص الظاهرية- في كتابه (الاعتصام) 1/202 قصة طويلة نقلاً عن ابن العربي في كتابه (العواصم) وفي هذه القصة ما نصه:
(أن الإمام أبا بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الحافظ الجرجاني قال : كنت أُبغِّض الناس فيمن يقرأ (علم الكلام) ، فدخلت يوماً إلى (الري) ، ودخلت جامعها أول دخولي واستقبلت سارية أركع عندها ، وإذا بجواري رجلان يتذاكران (علم الكلام) ، فتطيّرت بهما ، وقلت: أول ما دخلت هذا البلد سمعت فيه ما أكره ، وجعلت أخفف الصلاة حتى أبعد عنهما ، فعلق بي من قولهما : “أن هؤلاء الباطنية أسخف خلق الله عقولاً ، وينبغي للنحرير ألاّ يتكلف لهم دليلاً ، وليكن يطالبهم بـ(لِمَ) فلا قِبل لهم بها “، وسلمت مسرعاً.
وشاء الله بعد ذلك أن كشف رجل من الإسماعيلية القناع في الإلحاد ، وجعل يكاتب (وشمكير) الأمير يدعوه إليه ويقول له : إني لا أقبل دين محمد إلا بالمعجزة ، فإن أظهرتموها رجعنا إليكم .
وانجرت الحال إلى أن اختاروا منهم رجلاً له دهاء ومُنَّة، فورد على (وشمكير) رسولاً ، فقال له :إنك أمير ، ومن شأن الأمراء والملوك أن تتخصص عن العوام ولا تقلد في عقيدتها ، وإنما حقهم أن يفحصوا عن البراهين ، فقال (وشمكير) : اختر رجلاً من أهل مملكتي ، ولا أنتدب للمناظرة بنفسي، فيناظرك بين يدي ، فقال الملحد : أختار (أبا بكر الإسماعيلي) -لعلمه بأنه ليس من أهل التوحيد ، وإنما كان إماماً في الحديث ، ولكن (وشمكير) بعامية فيه كان يعتقد أنه أعلم أهل الأرض بأنواع العلوم -، فقال (وشمكير) :ذلك مرادي ، فإنه رجل جيد.
فأرسل إلى أبي بكر الإسماعيلي بـ(جرجان) ليرحل إليه إلى (غزنة) ، فلم يبق من العلماء أحد إلا يئس من الدين وقال : سيبهت الإسماعيلي الكافر مذهباً الإسماعيلي الحافظ مذهباً ، ولم يمكنهم أن يقولوا للملك : إنه لا علم عنده بذلك لئلا يتهمهم ، فلجئوا إلى الله في نصر دينه.
قال الإسماعيلي الحافظ : فلما جاءني البريد ، وأخذت في المسير ، وتدانت لي الدار قلت: إنا لله ، وكيف أناظر فيما لا أدري؟ هل أتبرأ عند الملك وأرشده إلى من يحسن الجدل ويعلم بحجج الله على دينه؟ ندمت على ما سلف من عمري ولم أنظر في شئ من (علم الكلام).
ثم أذكرني الله ما كنت سمعته من الرجلين بجامع الري ، فقويت نفسي ، وعولت على أن أجعل ذلك عمدتي ، وبلغت البلد ، فتلقاني الملك ثم جميع الخلق ، وحضر الإسماعيلي المذهب مع الإسماعيلي النسب ، وقال الملك للباطني : اذكر قولك يسمعه الإمام ، فلما أخذ في ذكره واستوفاه ، قال له الحافظ : لِمَ؟ فلما سمعها الملحد قال :هذا إمام قد عرف مقالتي ، فبُهِت.
قال الإسماعيلي : فخرجت من ذلك الوقت ، وأمرت بقراءة (علم الكلام) ، وعلمت أنه عمدة من عمد الإسلام)اهـ.
يقول الشيخ ناصر بن حمد بن حمين الفهد في كتابه الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام:
الكلام على هذه القصة من وجوه :
الوجه الأول : المطالبة بتصحيحها ، فإنها ذكرت بلا زمام ولا خطام ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ، وابن العربي -عفا الله عنه- له نقولات من هذا الجنس مر بعضها .
الوجه الثاني : أن علامات الوضع ظاهرة على هذه القصة لأمرين:
الأول : أنه ذكر عن أبي بكر الإسماعيلي إنه كان يبغض الناس في علم الكلام ، ثم لما طلب للمحاجة -قبل أن يتذكر تلك الكلمة ويعلم أن علم الكلام عمدة من عمد الإسلام-ندم على ما فاته من هذا العلم ، فإن كان يعلم أن هذا العلم هو علم التوحيد وهو عمدة من عمد الإسلام-وهذا لم يعلمه إلا بعد المحاجة كما تدل عليه القصة- فلا مكان لبغضه له، وإن كان -على ما عليه أهل الحديث- يعلم أن هذا العلم طريق للبدع بل وللزندقة فلا مكان للندم عليه!!.
الثاني :أن عمدة القصة هي كلمة (لِمَ) ، ومن العجائب أن هذه الكلمة فعلت الأفاعيل التي قد لا نسمع مثلها عن آية أو حديث، فإنها خفيت على الإسماعيلي المحدث حتى سمعها من علماء الكلام ، وهي التي حجت الإسماعيلي الكافر وألقته لليدين والفم ، ونصرت الإسلام بعد أن يئس العلماء منه ، وهي التي جعلت الإسماعيلي المحدث ينقلب من مبغض لعلم الكلام إلى آمر بقراءته وجعله عمدة من عمد الإسلام !!فهل يعقل أن هذه الكلمة تفعل هذا إلا في أساطير علماء الكلام لتعظيم علمهم؟!.
فالذي يظهر أن هذه القصة من وضع أحد معظمي علم الكلام لترويج هذا العلم ، وللإزراء بعلماء الحديث.
الوجه الثالث:أنها لو صحت ففيها قدح في الحافظ الإسماعيلي من وجوه:
الأول: أنه كان جاهلاً يحذر من علمٍ لا يدري ما هو .
الثاني:أن كلمة كهذه خفيت عليه حتى تعلمها من علماء الكلام.
الثالث:أن ما يعلمه من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وغيرهم وطلبه للحديث ومزاحمته لعلمائه بالركب لم تفده أبداً ،ولم يفده إلا هذه الكلمة !.
الرابع: أنه تطيَّر من علماء الكلام لما سمعهم ، والتطير منهي عنه ، بل هو شرك.
الخامس:أنه لما انتهت المناظرة أمر الناس بقراءة علم الكلام وجعله عمدة من عمد الإسلام وهذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة.
الوجه الرابع :أن العلماء -رحمهم الله -قد اتفقوا في كل عصر ومصر على ذم الكلام وأهله، وصنفت في ذلك مصنفات (1) ، ومن ذلك ما قاله أبو حنيفة :(لعن الله عمرو بن عبيد لأنه فتح للناس الطريق إلى الكلام) وقال أبو يوسف: (العلم بالكلام هو الجهل ، والجهل بالكلام هو العلم) وقال:( من طلب العلم بالكلام تزندق) وقال الشافعي :(لئن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في علم الكلام) وقال :( حكمي على علماء الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال ، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام)وقال :(ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح) وقال أحمد :(لا يفلح صاحب كلام أبداً ، علماء الكلام زنادقة) وقال:( لا يرى أحد نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل) (2) .
……….وبقية الكلام نقول أخرى لسائر العلماء في ذم علم الكلام راجعها في الكتاب ص158-159
الوجه الخامس: أن بطلان علم الكلام لم يأت فقط من أهل السنة ، بل حتى كبار علماء الكلام قد اعترفوا ببطلانه وأن الحق في تركه واتباع الكتاب والسنة -وقد تقدم شئ من ذلك -.
ومن ذلك ما قاله أبو حامد الغزالي في (إحياء علوم الدين ) -عن علم الكلام-:
(
وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه ، وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف ، ولعل التخبيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا ، فاسمع هذا ممن خبر علم
الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة ، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين ، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تناسب نوع الكلام ، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود).
ومن ذلك ما قاله الشهرستاني في مقدمة كتابه (نهاية الأقدام في علم الكلام) :
( فعليكم بدين العجائز فهو من أسنى الجوائز).
وما قاله الرازي : (من لزم مذهب العجائز كان هو الفائز) .
ومن ذلك ما قاله أبو الوفا بن عقيل -وكان من المتكلمين ثم تاب .
(أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض ، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت) وقال:( وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك ، وكثير منهم إلى الإلحاد ، تشم روائح الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين) .
وقد سبق بعض النقولات من هذا الباب أيضاً عن غيرهم .
فإذا كان هذا واقع كبار علماء الكلام ، ومن أمضوا فيه السنوات الطوال تعلماً وتعليماً وتأليفاً ، فكيف يقال بعد ذلك عن علم الكلام أنه (عمدة من عمد الإسلام)؟!.
الوجه السادس: أن أهل الحديث أقدر على المناظرة والدعوة إلى الإسلام والمحاجة من أهل الكلام لأمور منها :
الأول: أن أهل الحديث على بينة من أمرهم لا تتفرق بهم الأهواء ، ومعتقدهم واحد،ولا يعتنقون كل يوم ديناً كما يفعل علماء الكلام -باعترافهم-، فإذا كان علماء الكلام لم يثبتوا على دين ، وهم من أعظم الناس شكاً واضطراباً ، بل أصل علمهم التشكيك ، فكيف يطلب منهم دعوة غيرهم؟.
الثاني:أن الصحابة -وهم أعلم الخلق بعد الأنبياء-أجهل الناس بعلم الكلام ، ومع ذلك دعوا إلى الإسلام بكتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – من الأمم من لا يحصيهم إلا الله ، وهدى الله على أيديهم من لا يحصيهم إلا الله ، وكذلك التابعون والأئمة ومن سار على نهجهم وهم أهل الحديث في كل عصر ومصر، وأما المتكلمون فقد ضل على أيديهم -وبسبب تآليفهم-من لا يحصيه إلا الله ، فكيف يقارن بين الفريقين بعد ذلك؟.
الثالث:أن أساس الدعوة للإسلام والمناظرة تستلزم أن يكون المناظر عالماً بالكتاب والسنة وأقوال العلماء والسلف ، وهذا لا يكون إلا لأهل الحديث ومن سار على دربهم ، وأما أهل الكلام فمن أجهل الناس بالكتاب والسنة وبأقوال السلف ، فكيف يدعون ويناظرون ويجادلون عن شئ يجهلونه؟!.
والكلام في هذا يطول ، ولا مقارنة بين الفريقين لولا هذه القصة الباطلة ….
__________
(1) ككتاب أبي إسماعيل الهروي (ذم الكلام وأهله) ، وكتاب أبي عبد الرحمن السلمي (ذم الكلام) ، وكتاب أبي محمد بن قدامة (تحريم النظر في كتب الكلام) ، وغيرها من الكتب.
(2) انظر (جامع بيان العلم وفضله)2/116،(تلبيس إبليس) ص96،(تحريم النظر في كتب الكلام) ص41،(شرح العقيدة الطحاوية)ص17.
>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
ابن العربي المالكي نشأ بين غلاة الصوفية وجالسهم في رحلته إلى المشرق :
حاول بعض المنتسبين إلى السلفية أن ينفي عن ابن االعربي تصوّفه، وهيهات
ويشهد لذلك قوله في ﴿ ترتيب الرحلة للترغيب في الملة﴾:
“..وأفنيتُ عظيما من الزمان في طريقة الصوفيين، ولقيتُ رجالاتهم في تلك البلاد أجمعين، وما كنتُ أسمع بأحد يشار إليه بالأصابع أو تثنى عليه الخناصر، أو تصيخ إلى ذكره الآذان، أو ترفع إلى مناظرته الأحداق، إلا رحلتُ إليه قصيا، أو دخلت إليه قريا- ترتيب الرحلة ص 227 تحقيق سعيد أعراب-
وهذا نص صريح في أن أبا بكر بن العربي سلك طريق التصوف، وتتلمذ لكثير من الشيوخ. ومما يدلك على ذلك تأليفه لكتاب ﴿سراج المريدين﴾
ويشهد لذلك كلامه بنفسه: وانتسابه هو بنفسه لهم:
يقول في (ترتيب الرحلة للترغيب في الملة): “.. وخرجت حينئذ إلى عسقلان متساحلا، فألفيت بها بحر أدب يعب عبابه، ويغب ميزابه، فأقمت بها لأرتوي منه نحوا من ستة أشهر، فلما كان في بعض الأوان، كنت منقلبا عن بعض الإخوان إلى أن جئت لقم طريق، وقد امتلأت بالناس وهم منقصفون على جارية تغني في طاق، فوقفت أطلب طريقا أو أفكر في المشي على غيره، وهي تترنم للتهامي:
أقول لها والعيس تحدج للنوى ** أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر
أليس من الـخسران أن لياليا ** تـمر بلا نفع وتـحسب من عمري
“فقلتُ: محمد- يعني نفسه- هذا بشهادة الله وحي صوفي، وهاتف ديني، أنت المراد، وعليك دار هذا الترداد، ارحل من حينك إلى نيتك الأولى، وخذ بنفسك إلى ما هو الأحرى بك والأولى …” -نفس المرجع ص 213-
فانظر له كيف صرّح بذلك، وهو يقصد بالتأكيد إلهاما صوفيا.
>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
قال في أحكام القرآن :
((المسألة الخامسة : في تنقيح الأقوال وتصحيح الحال : قد بينا في السالف في كتابنا هذا وفي غير موضع عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم من الذنوب ، وحققنا القول فيما نسب إليهم من ذلك ، وعهدنا إليكم عهدا لن تجدوا له ردا أن أحدا لا ينبغي أن يذكر نبيا إلا بما ذكره الله ، لا يزيد عليه ، فإن أخبارهم مروية ، وأحاديثهم منقولة بزيادات تولاها أحد رجلين : إما غبي عن مقدارهم ، وإما بدعي لا رأي له في برهم ووقارهم ، فيدس تحت المقال المطلق الدواهي ، ولا يراعي الأدلة ولا النواهي ؛ وكذلك قال الله تعالى : { نحن نقص عليك أحسن القصص } ، أي أصدقه على أحد التأويلات ، وهي كثيرة بيناها في أمالي أنوار الفجر . فهذا محمد صلى الله عليه وسلم ما عصى قط ربه ، لا في حال الجاهلية ولا بعدها ، تكرمة من الله وتفضلا وجلالا ، أحله به المحل الجليل الرفيع ، ليصلح أن يقعد معه على كرسيه للفصل بين الخلق في القضاء يوم الحق . وما زالت الأسباب الكريمة ، والوسائل السليمة تحيط به من جميع جوانبه والطرائف النجيبة تشتمل على جملة ضرائبه ، والقرناء الأفراد يحيون له ، والأصحاب الأمجاد ينتقون له من كل طاهر الجيب ، سالم عن العيب ، بريء من الريب ، …الخ)) أحكام القرآن 3/1542

وهذا النص غريب يتعارض مع ما هو معروف عن المذكور من التمشعر
فهل انتقل المذكور إلى عقيدة أخرى أم السبب تصحيحه لبعض الأحاديث الموضوعة في هذا الأمر وهو كما معلوم بضاعته مزجاة في علم الحديث

>>>>>>>>>>>>
خذوا هذه العجيبة
المتمسلفة البهائم الذين يردون علينا بكلام ابن العربي الهالك
قال عنهم ابن العربي هذا :
((….إن الحنابلة انتهى بهم الأمر إلى أن قالوا : (( إن أراد أحد يعلم الله ، فلينظر إلى نفسه ، فإنه الله بعينه ، إلا أن الله منزه عن الآفات ، قديم لا أول له ، دائم لا يفنى )) ،و قالوا ذلك (( لقوله صلى الله عليه و سلم : إن الله خلق آدم على صورته ))، و في رواية أخرى (( على صورة الرحمن )) ، و هي رواية صحيحة ، فلله الوجه بعينه ، لا ننفيه و لا نتأوله إلى محالات )) راجع العواصم من القواصم ، الجزائر ، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ، 1981، ج 2ص: 283 .

وقال أيضاً عن الحنابلة و أهل الحديث كلاما فظيعاً ، و وصفهم بأوصاف شنيعة ، فجعلهم ممن كاد للإسلام ، و لا فهم لهم ، و ليس لهم قلوب يعقلون بها ،و لا آذان يسمعون بها ، فهم كالأنعام بل هم أضل . و عدّهم من الغافلين الجاهلين في موقفهم من الصفات ،و شبههم باليهود ،و قال أنه لا يُقال عنهم : بنوا قصرا و هدّموا مصرا ، بل يُقال : هدموا الكعبة ،و استوطنوا البيعة …))أي كنيسة اليهود .
العواصم من القواصم ، ج2 ص: 282، 288، 303 .
فإن كان ابن العربي هذا من أهل الصدق فقد صدق بما قاله عنهم وإن كان من أهل الكذب فلم يستدلوا بكلام الكاذبين!؟
ارموا بهذا ومثله في وجوه الدواب ممن يردد كلامه

سلسلة كشف حقيقة أسماء مشهورة .. (2) الجويني الشافعي الأشعري إمام الحرمين

 سلسلة كشف حقيقة أسماء مشهورة .. (2) الجويني الشافعي الأشعري إمام الحرمين
هذه هي الحلقة الثانية من سلسلة موضوعات بدأتها بعون الله أحاول أن أجلي فيها حقيقة بعض الرجال المنسوبين إلى العلم الشرعي وهم يخالفونه كثيراً أو لا يستحقون أن ينسبوا إليه أصلاً وقد قاموا بالطعن في أئمة النص ومنهم أهل الظاهر محاولاً الذب عن أهل النص وكاشفاً عوار هؤلاء ودوافعهم الخفية .
إن النكير على فقه النص والظاهر طرأ في العصور المتأخره عندما شرع ابن حزم رحمه الله بمنهج النقد المباشر ونسب المناكير الفقهية الى من صنعها و ببيان العوار وكشف الستار ! فتململ القوم ونخطوا ! .
و ومن هؤلاء
(2) أبو المعالي الجويني الشافعي الأشعري إمام الحرمين ! …
رأس في العقيدة الأشعرية وداعية لها وممن ابتدع القول الذي يقول إن أهل الظاهر،لا يعتد بقولهم وهو من المقلدين للشافهي رحمه الله … فلما ضاقت به سبل سبل رد قول أهل النص قال: لا عبرة بخلاف الظاهرية !
وكأن الظاهرية وحدهم هم من أبطل القياس وليس الصحابة وجمهور التابعين وجمهور أهل الحديث !!!
والملاحظ أن الكثيرين من المتأخرين ممن تصدى للكتابة في أصول الفقه كانوا على شاكلة الجويني .. أي مقلدة للشافعي رحمه الله وأشاعرة في نفس الوقت !!!!
فإن صدقوا في دعواهم (1) هذه أنه لا عبرة بخلاف الظاهرية … فليأتوا لنا بقول إمام مجتهد سليم من بدعة التقليد للمذاهب، فإن أتونا بقوله الذي يقول فيه لا عبرة بخلاف أهل الظاهر، وأقام الدليل على ذلك صدق، وإلا فهي دعوى مبتدعة لم يسبق فيها أحد من الأئمة هؤلاء المقلدة المبتدعة . (حتى على أصول المخالفين … مقولة من سبقك !!!! ) .

هذا الرجل قال عن حديث معاذ في القضاء بالرأي ..
وإليك الحديث المزعوم :
ـ عَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذٍ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ ، عَنْ مُعَاذٍ ؛
(( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ ، فَقَالَ : كَيْفَ تَصْنَعُ إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ : أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ ؟ قَالَ : فَسُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : أَجْتَهِدُ رَأْيِي لاَ آلُو ، قَالَ : فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَدْرِي ، ثُمَّ قَالَ : الْحَمْدُ ِللهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم..))
أخرجه ابن أَبي شَيْبَة ، وأحمد ، وعَبد بن حُميد ، والدارِمِي ، وأبو داود ، والترمذي.
من رواية أَبي عَوْن ، مُحَمد بن عُبَيْد الله الثَّقَقِي ، عن الحارث بن عَمْرو ، ابن أخي المُغِيرَة بن شُعْبة ، عن ناسٍ من أصحابِ مُعَاذ من أهل حِمْص ، عن معاذ ، به.
وهذا حديثٌ إسناده ساقطٌ لايصح ، ومن نَسَبَهُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كَذَبَ عليه.
أولا : قال البخاري : الحارث بن عَمرو ، ابن أخي الْمُغِيرة بن شُعبة ، الثَّقَفيّ ، عن أصحاب مُعاذ ، عن مُعاذ ، رَوى عنه أبو عَوْن ، ولا يَصح ، ولا يُعرف إلا بِهَذا ، مُرسلٌ. التاريخ الكبير (2/2449).
ثانيًا : أورده العقيلي في الضعفاء 1/215 (262) ، ونقل قول البخاري السابق.
ثالثًا : قال الترمذي ، بعد أن أخرجه : هذا حديثٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتصلٍ ، وأبو عون الثقفي اسمه محمد بن عُبيد الله . سنن الترمذي (1327 و1328).
رابعًا : قال ابن حَزم : وحديث معاذ ، الذي فيه : أجتهد رأيي ولا آلو ، لا يصح ، لأنه لم يروه أحدٌ إلا الحارث بن عمرو ، وهو مجهولٌ ، لا ندري مَنْ هو ، عن رجالٍ من أهل حمص لم يُسَمِّهم ، عن معاذ. ((المحلى)) 1/62.
وقال ابن حَزم : وأما حديث معاذ ، فيما رُوِيَ من قوله : أجتهد رأيي ، وحديث عبد الله بن عمرو ، في قوله : أجتهد بحضرتك يا رسول الله ، فحديثان ساقطان ، أما حديث معاذ ، فإنما رُوي عن رجالٍ من أهل حمص ، لم يُسَمَّوْا ، وحديث عبد الله منقطعٌ أيضًا ، لا يتصل. ((الإحكام في أصول الأحكام)) 5/121.
خامسًا : أخرجه ابن حَجَر في كتابه ((تلخيص الحبير)) 4/182 ، ثم قال : أخرجه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن عدي ، والطبراني ، والبيهقي ، من حديث الحارث بن عمرو ، عن ناسٍ من أصحاب معاذ ، عن معاذٍ.
قال الترمذي : لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده بمتصل.
وقال البخاري ، في ((تاريخه)) : الحارث بن عمرو ، عن أصحاب معاذ ، وعنه أبو عون ، لا يصح ، ولا يُعرف إلا بهذا.
وقال الدارقطني ، في ((العلل)) : رواه شعبة ، عن أبي عون ، هكذا ، وأرسله ابن مهدي ، وجماعاتٌ ، عنه ، والمرسل أصح.
قال أبو داود ، يعني الطيالسي ، أكثر ما كان يحدثنا شعبة ، عن أصحاب معاذ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال مرةً : عن معاذ.
وقال ابن حزم : لا يصح ، لأن الحارث مجهولٌ ، وشيوخه لا يُعرفون ، قال : وادعى بعضُهم فيه التواتر ، وهذا كذبٌ ، بل هو ضد التواتر ، لأنه ما رواه إلا أبو عون ، عن الحارث ، فكيف يكون متواترًا.
وقال عبد الحق : لا يُسند ، ولا يوجد من وجه صحيحٍ.
وقال ابن الجوزي ، في ((العلل المتناهية)) : لا يصح ، وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ، ويعتمدون عليه.
* وقال ابن طاهر ، في تصنيفٍ له مفرد ، في الكلام على هذا الحديث : اعلم أني فحصت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار ، وسألتُ عنه مَنْ لَقِيتُهُ من أهل العلم بالنقل ، فلم أجد إلا طريقين ، أحدهما طريق شعبة ، والأخرى عن محمد بن جابر ، عن أشعث بن أبي الشعثاء ، عن رجل من ثقيف ، عن معاذ ، وكلاهما لا يصح ، قال : وأقبح ما رأيتُ فيه ، قول إمام الحرمين ، في كتاب ((أصول الفقه)) : والعمدة في هذا الباب على حديث معاذ ، قال : وهذه زلةٌ منه ، ولو كان عالمًا بالنقل ، لما ارتكب هذه الجهالة.
قال ابن حَجَر : كلام إمام الحرمين أشد مما نقله عنه ، فإنه (أي الجويني) قال : والحديث مدون في الصحاح ، متفق على صحته ، لا يتطرق إليه التأويل. انتهى كلام ابن حَجَر ، نقلا عن تلخيص الحبير ، مع الاختصار.
قال الشيخ أبو المعاطي حفظه الله(1) : وكلام من يسمى بإمام الحرمين هذا باطل ، فالحديث لم يدون في الصحاح ، ومتفقٌ على ضعفه ، ويتطرق إليه الضلال المبين ، وكلامه مردود عليه ، وإن كان إماما لمساجد الدنيا.
* أقول : قوله يدل على جهله المطبق بعلم الحديث وعدم قراءته للصحاح فهو لا يتعدى علمه في الحديث إمام مسجد في قرية نائية !! لا إماماً للحرمين !!!! فكيف إذا جمع لجهله بالحديث بدع العقيدة الأشعرية الكلامية التي نتفق جميعاً على ذمها ؟؟؟
هل هذا معقول يا أتباع السلف ؟؟!!!
أين عقولكم ؟!!!
وكيف تدرس كتبه في أصول الفقه في بلاد الحرمين حفظها الله تعالى … بينما يمنع تدريس الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم إلا في معرض إنتقاده من من جهلة الدكاترة المتمذهبين !!
بل حتى كتاب الرسالة للشافعي رحمه الله لا يدرس !!!! …. اللهم غفرانك ..
***********
(1) ما سبق من تخريج للحديث نقلته من كلام الشيخ أبي المعاطي أيضاً في كتاب فتنة المذاهب والفرق .
*** مثل آخر يدل على جهله المطبق بعلم الحديث :
- فى كتاب النهاية عزا حديث (أصحابي كالنجوم) إلى الصحيحين وهو حديث موضوع !!!!!
>>>>>>>>>>>>>>>
عرفنا حال الرجل في العقيدة وعلم الحديث … فلنذهب إلى حاله في علم أصول الفقه الذي يسير فيه على طريقة المتكلمين التي يستطيلون بها …
حيث يزعم في أحد كتبه أن النصوص لا تفي بعشر وقائع الشريعة !!!!
ولننظر في كتابه البرهان في أصول الفقه(ج2 ص 499-502 ط دار الوفاء -المنصورة )في قوله :
((نحن نعلم قطعا أن الوقائع التي جرت فيها فتاوي علماء الصحابة وأقضيتهم تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عد ولا يحويها حد …
والايات والأخبار المشتملة على الأحكام نصا وظاهرا بالإضافة إلى الأقضية والفتاوي كغرفة من بحر لا ينزف…..
فإن قالوا بم تنكرون على من يزعم أنهم كانوا يتلقون الأحكام من استنباطات من الظواهر والعمومات وفحوى الخطاب
قلنا لا أصل لهذه المقالة وهي كمحاولة تسبيع الغزالة فأنى تفى الظواهر ومقتضياتها بالأحكام التي طبقت طبق الأرض ! ……..
ومن أنصف من نفسه لم يشكل عليه إذا نظر في الفتاوى والأقضية أن تسعة أعشارها صادرة عن الرأي المحض والاستنباط ولا تعلق لها بالنصوص والظواهر
أ.هــ
هذا كلامه وادعاؤه أن نصوص الكتاب والسنة لا تفي بعشر الوقائع !!!!
وهذا الكلام باطل جملة وتفصيلاً بل مخالف لصريح القرآن والسنة :
فأين هو من قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) إلا إذا كان يزعم أن الدين لم يكمل بالوحي وإنما يكمل جيلاً بعد جيل بآراء الناس وأفكارهم !!!
وأين هو من قوله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول )
فيجب رد المنازعات كلها إلى الله والرسول فكيف يزعم فقيه أن تسعة أعشار الفقه يصدر عن الرأي أو القياس !!!
وقوله تعالى (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) فهل يجعل الله حكمه في تسعة أعشار الحوادث إلى رأي الفقهاء !!!
وقوله تعالى (إن أتبع إلا ما يوحى إلي) فهذه صيغة حصر وقد جاء مثلها فى أكثر من موضع بالقرآن الكريم والمعن أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يتبع إلا ما يوحى إليه وهذا دليل على أن السنة وحي أيضاً فهل ما يجب أن نرجع إليه لا يكفي إلا عشر وقائع حياتنا !!!!
وقد رد ابن تيمية (وهو ممن أثبت القياس) على هذه المقولة القبيحة التي تدعي أن نصوص الشرع لا تكفي الوقائع…
حيث قال ابن تيمية في رسالة معارج الوصول من مجموع الرسائل الكبرى(1-209): وهذا كقولهم : إن أكثر الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة النصوص عليها فإنما هذا قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتهما على الأحكام
وقال ابن القيم فى إعلام الموقعين (1-334،333)
فصل [ اختلفوا هل تحيط النصوص بحكم جميع الحوادث ] والناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق : فرقة قالت : إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث ، وغلا بعض هؤلاء حتى قال : ولا بعشر معشارها ، قالوا : فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص ، ولعمر الله إن هذا مقدار النصوص في فهمه وعلمه ومعرفته لا مقدارها في نفس الأمر ، واحتج هذا القائل بأن النصوص متناهية ، وحوادث العباد غير متناهية ، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع ، وهذا احتجاج فاسد جدا من وجوه : أحدها أن ما لا تتناهى أفراده لا يمتنع أن يجعل أنواعا ، فيحكم لكل نوع منها بحكم واحد فتدخل الأفراد التي لا تتناهى تحت ذلك .
النوع الثاني : أن أنواع الأفعال بل والأعراض كلها متناهية .
الثالث : أنه لو قدر عدم تناهيها فإن أفعال العباد الموجودة إلى يوم القيامة متناهية ، وهذا كما تجعل الأقارب نوعين : نوعا مباحا ، وهو بنات العم والعمة وبنات الخال والخالة ، وما سوى ذلك حرام ، وكذلك يجعل ما ينقض الوضوء محصورا ، وما سوى ذلك لا ينقضه ؛ وكذلك ما يفسد الصوم ، وما يوجب الغسل وما يوجب العدة ، وما يمنع منه المحرم ، وأمثال ذلك ، وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحل ويحرم عندهم مع قصور بيانهم فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك ، فإنه صلى الله عليه وسلم يأتي بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة وقضية كلية تجمع أنواعا وأفرادا وتدل دلالتين دلالة طرد ودلالة عكس .
وهذا كما سئل صلى الله عليه وسلم عن أنواع من الأشربة كالبتع والمزر ، وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال ” { كل مسكر حرام } ، و { كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد } { وكل قرض جر نفعا فهو ربا } { وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل } { وكل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه } { وكل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين } { وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة } { وكل معروف صدقة } وسمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية جامعة فاذة : { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } ومن هذا قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون } فدخل في الخمر كل مسكر ، جامدا كان أو مائعا من العنب أو من غيره ، ودخل في الميسر كل أكل مال بالباطل ، وكل عمل محرم يوقع في العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة .
ودخل في قوله : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } كل يمين منعقدة ، ودخل في قوله : { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات } كل طيب من المطاعم والمشارب والملابس والفروج ، ودخل في قوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ، { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ما لا تحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها حتى اللطمة والضربة والكسعة كما فهم الصحابة .
ودخل في قوله : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } تحريم كل فاحشة ظاهرة وباطنة ، وكل ظلم وعدوان في مال أو نفس أو عرض ، وكل شرك بالله وإن دق في قول أو عمل أو إرادة بأن يجعل لله عدلا بغيره في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد ، وكل قول على الله لم يأت به نص عنه ولا عن رسوله في تحريم أو تحليل أو إيجاب أو إسقاط أو خبر عنه باسم أو صفة نفيا أو إثباتا أو خبرا عن فعله ؛ فالقول عليه بلا علم حرام في أفعاله وصفاته ودينه .
أ.هـ كلام ابن القيم
وقد رد الشوكاني أيضاً هذا الهراء … كذلك مع اعتراضه على إخراج الجويني أهل الظاهر ومنكري القياس من الاعتداد بخلافهم ! فقال في إرشاد الفحول (ج1ص357)
وقد تكلف امام الحرمين الجويني في البرهان لدفع هذا فقال ان منكري القياس ليسوا من علماء الامة ولا من حملة الشريعة فان معظم الشريعة صدرت عن الاجتهاد والنصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة انتهى وهذا كلام يقضي من قائله العجب فان كون منكري القياس ليسوا من علماء الامة من ابطل الباطلات واقبح التعصبات ثم دعوى ان نصوص الشرعية لا تفي بعشر معشارها لا تصدر الا عمن لم يعرف نصوص الشريعة حق معرفتها ….
>>>>>>>>>>>>>>>
بخصوص الأشاعرة فقد ركزت على هذه النقطة من باب تبكيت المتأخرين من أدعياء السلفية الذين يعيبون غيرهم بأنهم أشاعرة أو جهمية ثم يتبنون مقالات من يعيبونهم بالتمشعر في نقد إخوانهم أصحاب الالتزام بالكتاب والسنة كالظاهرية !!!
بل وصل الغباء ببعضهم باعتماد كتب الجويني في الأصول لتدريسها بجامعاتهم !.
>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
يقول الأستاذ الشيخ أبو المظفر سعيد السناري عن الجويني في تحقيقه (أى أبي المظفر) لكتاب فتاوى ابن الصلاح ص 89 تعليقاً على زعم الجويني عدم الاعتداد بداود والظاهرية في الإجماع :
(( …أبو المعالى ابن الجوينى المعروف بإمام الحرمين ، وهو على علو كعبه في الفقه وقواعد النظر كان منحرف الاعتقاد ـ وقد رجع إلى مذهب السلف قبل موته ـ وله شطحات في أصول الاعتقاد أجارك الله منها !! وكان طويل اللسان على كثير من أهل السنة أمثال الحافظ أبى نصر الوائلى وغيره .أما معرفته بالحديث ورجاله !!قتلك فضيحة لا تغسلها مياه الأنهار !! وقد سئم الحافظ من تعقبه في تصحيح الأحاديث وتضعيفها في كتابه التلخيص !! فمثله إذا تكلم في داود وأصحابه لا يُحسن الكلام أصلا !!بل وقد يصل كلامه إلى حد الهذيان !! كما سيأتى .)) أ.هـ
>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>
ومن عجيب كلام الجويني في العقيدة أنه يعتقد كما تعتقد الأشاعرة جواز الكرامات بدون حد، وما جاز وقوعه لنبي جاز وقوعه لولي، بل الخارق للعادة يقع من النبي والولي والساحر، ولا فرق إلا دعوى النبوة من النبي والصلاح من الولي.
يقول الجويني في كتاب الإرشاد صـ 269: “فإن قيل فما الفرق بين الكرامة والمعجزة قلنا: لا يفترقان في جواز العقل إلا بوقوع المعجزة على حسب دعوى النبوة “.
وهو بهذا يفتح الباب على مصراعيه لكل مجذوب وأخرق ودجال ومشعوذ ليضل الناس ولا حول ولا قوة إلا باللهقال ابن تيميه -رحمه الله رداً عليه : “ثم هؤلاء جوزوا كرامات الصالحين ولم يذكروا بين جنسها وجنس كرامات الأنبياء فرقاً، بل صرح أئمتهم أن كل ما خرق لنبي يجوز أن يخرق للأولياء حتى معراج محمد -صلى الله عليه وسلم- وفرق البحر لموسى -عليه السلام- وناقة صالح -عليه السلام- وغير ذلك، ولم يذكروا بين المعجزة والسحر فرقاً معقولاً بل قد يجوزون أن يأتي الساحر بمثل ذلك لكن بينهما فرق دعوى النبوة وبين الصالح والساحر والبر والفجور… إلى أن قال -رحمه الله-: ومع هذا فالأولياء دون الأنبياء والمرسلين فلا تبلغ كرامات أحد قط إلى مثل معجزات المرسلين كما أنهم لا يبلغون في الفضيلة والثواب إلى درجاتهم ولكن قد يشاركونهم في بعضها كما قد يشاركونهم في بعض أعمالهم”(النبوات صـ3 ).

>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>

نظرية عصمة الرواية عند الظاهرية

نظرية عصمة الرواية عند الظاهرية
هذا بحث صغير ورؤية لعصمة الرواية وقطعية ثبوتها عند الظاهرية نشرته قبل سنوات في منتديات الشبكة
وأعيد نشره الآن بسبب ما يثار عن الدستور الكفرى المزمع التصويت عليه في مصر هذه الأيام وقضية قطعى الثبوت وقطعى الدلالة !

الحمد لله والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وسلم وآله
يكثر الكلام أحياناً من بعض العقلانيين وأشباههم عن حديث الآحاد وهل هو يفيد العلم أم يفيد غلبة الظن وهل يفيد العلم والاعتقاد والعمل أو يوجب العمل فقط .
والردود على هؤلاء كثيرة وأحسن من كتب فيها هو الإمام ابن حزم رحمه الله وأثبت بما لا يدع مكاناً للشك أن الرواية متى رواها العدل الضابط عن مثله إلى منتهى السند بالشروط المعتبرة عند أصحاب الحديث فهذا الخبر يوجب العلم والاعتقاد والعمل بصرف النظر عن كونه آحاد أو متواتر… ويمكن أن نصلح على هذا الأمر باصطلاح ((عصمة الرواية الثابتة))
فالمؤمن يجب عليه أن يؤمن إيماناً جازماً لا يعتريه أي شك بكل ما أخبر به الله جل جلاله ، وبكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إذا ثبتت صحته إليه صلى الله عليه وسلم ، ؤويجب عليه أن يقبله جملة وتفصيلاً سواء فهمه أو لم يفهمه ، أو استغربه أم لم يستغربه ؛ لأن عدم استيعابه للأمر الصادق المجزوم بصحته وثبوته لا يعني عدم ثبوت هذا الأمر ، ولكن القضية أن عقله لم يستطع أن يستوعب ذلك الأمر ويفهمه ، أو أن علمه القاصر لم يدرك الحقيقة العلمية (كمثال حديث الذباب الذى ثبت صحته بالطرق العلمية في قرننا الحالى) والمولى سبحانه وتعالى أمرنا أن نؤمن بكل ما أخبر عنه سبحانه أو أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) الحجرات / 15 .
قال ابن حزم رحمه الله في الإحكام (1-117)
فإن قالوا: فإنه صفة كل مخبر وطبيعته أن خبره يجوز فيه الصدق والكذب والخطأ، وقولكم بأن خبر الواحد العدل في الشريعة موجب للعلم إحالة لطبيعة الخبر وطبيعة المخبرين، وخرق لصفات كل ذلك وللعادة فيه.
قلنا لهم: لا ينكر من الله تعالى إحالة ما شاء من الطبائع إذا صح البرهان بأنه فعل الله تعالى، والعجب من إنكاركم هذا مع
قولكم به بعينه في إيجابكم عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب والوهم في تبليغه الشريعة، وهذا هو الذي أنكرتم بعينه، بل لم تقنعوا بالتناقض إذا أصبتم في ذلك وأخطأتم في منعكم من ذلك في خبر الواحد العدل، حتى أتيتم بالباطل المحض إذ جوزتم على جميع الامم موافقة الخطأ في إجماعها في رأيها، وذلك طبيعة في الكل وصفة لهم، ومنعتم من جواز الخطأ والوهم على ما ادعيتموه من إجماع الامة من المسلمين خاصة في اجتهادها في القياس، وحاشا لله أن تجمع الامة على الباطل – والقياس عين الباطل – فخرقتم بذلك العادة وأحلتم الطبائع بلا برهان لا سيما إن كان المخالف لنا من المرجئة القاطعين بأنه لا يمكن أن يكون يهودي ولا نصراني يعرف بقلبه أن الله تعالى حق.
فإن هؤلاء أحالوا الطبائع بلا برهان ومنعوا من إحالتها إذا قام البرهان بإحالتها.
فإن قالوا: فإنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الاخبار الشرعية التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم معصومون في نقلها، وإن كل واحد منهم معصوم في نقله من تعمد الكذب ووقوع الوهم منه.قلنا لهم: نعم هكذا نقول، وبهذا نقطع ونبت.
وكل عدل روى خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين أو فعله عليه السلام، فذلك الراوي معصوم من تعمد الكذب – مقطوع بذلك عند الله تعالى – ومن جواز الوهم فيه عليه إلا ببيان وارد – ولا بد – من الله تعالى ببيان ما وهم فيه، كما فعل تعالى بنبيه عليه السلام، إذ سلم من ركعتين ومن ثلاث واهما، لقيام البراهين التي قدمنا من حفظ جميع الشريعة وبيانها مما ليس منها، وقد علمنا ضرورة أن كل من صدق في خبر ما فإنه معصوم في ذلك الخبر من الكذب والوهم بلا شك فأي نكرة في هذا ؟.
فإن قالوا: تعبدنا الله تعالى بحسن الظن به، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي قلنا: ليس هذا من الحكم في الدين بالظن في شئ بل كله باب واحد لانه تعالى حرم علينا أن نقول عليه ما لا نعلم ونحن لا نعلم أيغفر لنا أم يعذبنا فوجب علينا الوقوف في ذلك والرجاء والخوف، وحرم علينا أن نقول عليه في الدين والتحريم والاباحة والايجاب ما لا نعلم، وبين لنا كل ما ألزمنا من ذلك فوجب القطع بكل ذلك كما وجب القطع بتخليد الكفار في النار أو تخليد المؤمنين في الجنة، ولا فرق ولم يجز القول بالظن في شئ من ذلك كله.
فإن قالوا: أنتم تقولون: إن الله تعالى أمرنا بالحكم بما شهد به العدل مع يمين الطالب وبما شهد به العدلان فصاعدا، وبما حلف عليه المدعى عليه، إذا لم يقم المدعي بينة في إباحة الدماء المحرمة، والفروج المحرمة، والابشار المحرمة،
والاموال المحرمة، وكل ذلك بإقراركم ممكن أن يكون في باطن الامر بخلاف ما شهد به الشاهد، وما حلف عليه الحالف، وهذا هو الحكم بالظن الذي أنكرتم علينا في قولنا في خبر الواحد ولا فرق.
قلنا لهم وبالله التوفيق: بين الامرين فروق واضحة كوضوح الشمس.
أحدهما: أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين وإكماله، وتبينه من الغي ومما ليس منه.
ولم يتكفل تعالى قط بحفظ دمائنا، ولا بحفظ فروجنا، ولا بحفظ أبشارنا ولا بحفظ أموالنا في الدنيا.
بل قدر تعالى بأن كثيرا من كل ذلك يؤخذ بغير حق في الدنيا.
وقد نص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار وبقوله عليه السلام للمتلاعنين: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب أو كما قال عليه السلام في كل ذلك.
والفرق الثاني: أن حكمنا بشهادة الشاهد وبيمين الحالف، ليس حكما بالظن كما زعموا، بل نحن نقطع ونبت بأن الله عز وجل افترض علينا الحكم بيمين الطالب مع شهادة العدل، وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم بينة، وبشهادة العدل والعدلين والعدول عندنا، وإن كانوا في باطن أمرهم كذابين أو واهمين والحكم بكل ذلك حق عند الله تعالى، وعندنا مقطوع على غيبه، برهان ذلك: أن حاكما لو تحاكم إليه اثنان ولا بينة للمدعي، فلم يحكم للمدعى عليه باليمين، أو شهد عنده عدلان فلم يحكم بشهادتهما.
فإن ذلك الحاكم فاسق عاص لله عز وجل، مجرح الشهادة ظالم، سواء كان المدعى عليه مبطلا في إنكاره أو محقا، أو كان الشهود كذبة أو واهمين أو صادقين، إذا لم يعلم باطن أمرهم.
ونحن مأمورون يقينا بأمر الله عز وجل لنا بأن نقتل هذا البرئ المشهود عليه بالباطل، وأن نبيح هذ البشرة المحرمة، وهذا المال الحرام المشهود فيه بالباطل، وحرم على المبطل أن يأخذ شيئا من ذلك.
وقضى ربنا بأننا إن لم نحكم بذلك فإننا في الدين فساق عصاة له تعالى ظلمه متوعدون بالنار على ذلك وما أمرنا تعالى قط بأن نحكم في الدين بخبر وضعه فاسق أو وهم فيه واهم.
وقال تعالى: فهذا فرق في غاية البيان.
وفرق ثالث، وهو أن نقول: إن الله تعالى افترض علينا أن نقول في جميع الشريعة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأمرنا الله تعالى بكذا، لانه تعالى يقول: * وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وما آتاكم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا ففرض علينا أن نقول: نهانا الله تعالى ورسول صلى الله عليه وسلم عن كذا، وأمرنا بكذا، ولم يأمرنا تعالى قط أن نقول: شهد هذا بحق، ولا حلف هذا الجانب على حق، ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق له يقينا، ولا قال تعالى ما قال هذا الشاهد، لكن الله تعالى قال لنا: احكموا بشهادة العدول، وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم عليه بينة، وهذا فرق لا خفاء به فلم نحكم بالظن في شئ من كل ذلك أصلا ولله الحمد، بل بعلم قاطع، ويقين ثابت أن كل ما حكمنا به مما نقله العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحق من عند الله تعالى أوحى به ربنا تعالى، مضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محكي عنه أنه قال وكل ما حكمنا فيه بشهادة العدول عندنا فحق مقطوع به من عند الله تعالى لانه أمرنا بالحكم به، ولم يأمرنا بأن نقول فيما شهدوا به، وما حلف به الحالف أنه من عند الله تعالى، ولا أنه حق مقطوع به، فإن قالوا: إنما قال تعالى: إن بعض الظن إثم ولم ولم يقل كل الظن إثم.
قلنا: قد بين الله تعالى الاثم من البر وهو أن القول عليه تعالى بما لا نعلم حرام، فهذا من الظن الذي هو إثم بلا شك.
قال علي: فلجأت المعتزلة إلى الامتناع من الحكم بخبر الواحد، للدلائل التي ذكرنا، وظنوا أنهم تخلصوا بذلك ولم يتخلصوا، بل كل ما لزم غيرهم مما ذكرنا هو ملازم لهم، وذلك أننا نقول لهم أخبرونا عن الاخبار التي رواها الآحاد أهي كلها حق إذا كانت من روا ية الثقات خاصة ؟ أم كلها باطل ؟ أم فيها حق وباطل ؟ فإن قالوا: فيها حق وباطل وهو قولهم.
قلنا لهم: هل يجوز أن تبطل شريعة أوحى الله تعالى بها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ليبينها لعباده حتى يختلط بكذب وضعه فاسق ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو وهم فيها واهم فيختلط الحق المأمور به مع الباطل المختلق اختلاطا لا يتميز به الحق من الباطل أبدا لاحد من الناس، وهل الشرائع الاسلامية كلها محفوظة لازمة لنا أو هي غير محفوظة، ولا كلها لازم لنا، بل قد سقط منها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، وهل قامت الحجة علينا لله تعالى فيما افترض من الشرائع بأنها بينة لنا متميزة مما لم يأمرنا به، أو لم تقم لله تعالى علينا حجة في الدين لان كثيرا منه مختلط بالكذب غير متميز منها أبدا ؟.
فإن أجازوا اختلاط شرائع الدين التي أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بما ليس في الدين، وقالوا: لم تقم لله تعالى علينا حجة فيما أمرنا به.
دخل عليهم في القول بفساد الشريعة، وذهاب الاسلام، وبطلان ضمان الله تعالى بحفظ الذكر كالذي دخل على غيرهم حرفا بحرف، سواء بسواء، ولزمهم أنهم تركوا كثيرا من الدين الصحيح كما لزم غيرهم سواء بسواء، أنهم يعملون بما ليس من الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بطل بيانه، وأنه حجة الله تعالى بذلك لم تقم علينا سواء بسواء، وفي هذا ما فيه.
فإن لجأوا إلى الاقتصار على خبر التواتر، لم ينفكوا بذلك من أن كثيرا من الدين قد بطل لاختلاطه بالكذب الموضوع، وبالموهوم فيه، ومن جواز أن يكون كثير من شرائع الاسلام لم ينقل إلينا، إذ قد بطل ضمان حفظ الله تعالى فيها، وأيضا فإنه لا يعجز أحد أن يدعي في أي خبر شاء أنه منقول نقل التواتر، بل أصحاب الاسناد أصح دعوى في ذلك، لشهادة كثرة الرواة وتغير الاسانيد لهم بصحة قولهم في نقل التواتر وبالله تعالى التوفيق.
فإن لجأ لاجئ إلى أن يقول بأن كل خبر جاء من طريق الآحاد الثقات، فإنه كذب موضوع ليس منه شئ قاله قط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلنا وبالله تعالى التوفيق: هذه مجاهرة ظاهرة، ومدافعة لما نعلم بالضرورة خلافه، وتكذيب لجميع الصحابة أولهم عن آخرهم، ولجميع فضلاء التابعين، ولكل إنسان من العلماء جيلا بعد جيل، لان كل ما ذكرنا رووا الاخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك من أحد، واحتج بها بعضهم على بعض، وعملوا بها، وأفتوا بها في دين الله تعالى وهذا اطراح للاجماع المتيقن، وباطل لا تختلف النفوس فيه أصلا، لانا بالضرورة ندري أنه لا يمكن البتة في البنية أن يكون كل من ذكرنا لم يصدق قط في كلمة رواها، بل كلهم وضعوا كل ما رووا.
وأيضا ففيه إبطال الشرائع التي لا يشك مسلم ولا غير مسلم في أنها ليست في القرآن مبينة كالصلاة، والزكاة، والحج، وغير ذلك، وأنه إنما أخذ بيانها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا القطع بأن كل صاحب من الصحابة، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه هو الواضع، والمخترع للكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، ولا يشك أحد على وجه الارض في أن كل صاحب من الصحابة قد حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أهله وجيرانه، وفي هذا إثبات وضع الشرائع على جميعهم، أولهم عن آخرهم، وما بلغت الروافض والخوارج قط هذا المبلغ، مع أنها دعوى بلا برهان،
وما كان كذلك فهو باطل بيقين، في ثلاثة أقوال كما ترى لا رابع لها.
إما أن يكون كل خبر نقله العدل عن العدل مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبا كلها أولها عن آخرها موضوعة بأسرها، وهذا باطل بيقين كما بينا، وإيجاب أن كل صاحب وتابع وعالم – لا نحاشي أحدا – قد اتفقوا على وضع الشرائع والكذب فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا انسلاخ عن الاسلام، أو يكون فيها حق وفيها باطل إلا أنه لا سبيل إلى تمييز الحق منها من الباطل لاحد أبدا، وهذا تكذيب لله تعالى في إخباره بحفظ الذكر المنزل، وبإكماله الدين لنا، وبأنه لا يقبل منا إلا دين الاسلام لا شيئا سواه.
وفيه أيضا فساد الدين واختلاطه بما لم يأمر به تعالى قط به، وأنه لا سبيل لاحد في العالم إلى أن يعرف ما أمره الله تعالى به في دينه مما لم يأمره به أبدا، وأن حقيقة الاسلام وشرائعه قد بطلت بيقين، وهذا انسلاخ عن الاسلام.
أو أنها كلها حق مقطوع على غيبها عند الله تعالى، موجبة كلها للعلم، لاخبار الله تعالى بأنه حافظ لما أنزل من الذكر، ولتحريمه تعالى الحكم في الدين بالظن والقول عليه بما لا علم لنا به، ولاخباره تعالى بأنه قد بين الرشد من الغي، وليس الرشد إلا ما أنزله الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وفي فعله، وليس الغي إلا ما لم ينزله الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا قولنا والحمد لله رب العالمين
……………………………..
كنت قد نشرت هذا الموضوع في منتدى آخر فاعترض البعض على الكلام قائلاً:

أريد ان أعرف هل من سلفٍ لابن حزم رحمه الله تعالى – قال باعتبار المرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم ، داخلة تحت ” الذكر ” في قول الله عز وجل ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ” ….. فإني أدَعي أنه أول من قال ذلك ، والمفسرون من سلف الأمة قبله قالوا أنه القرآن لا غير .
فمن كان يعلم غير ذلك فليعلمنا ، وجزى الله الجميع خيراً

وكذلك :

أرى أن لفظ “الذكر” محتمل ، ولاتقرر الأدلة القطعية و البراهين الصريحة بواسطة العبارات المحتملة : أي التي يجوز أن يدخل فيها معنى من المعاني بالاحتمال. وهذه قاعدة نافعة فيما أحسب سأتوسع بإذن الله في تفصيلها وضرب الأمثلة عليها وبيان كيف يمكن أن يستدل بها على ثبوت السنة أصلاً.

وهذا هو ردى:

الأخ الفاضل شريف
الذكر هو القرآن والحديث
وهناك العديد من الأدلة القاطعة
وبما أنك تريد سلفاً لابن حزم فهناك الصحابة وأذكر منهم ابن مسعود :
اقرأ صحيح البخاري
5595 – حدثنا إسحق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال
: لعن عبد الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فقالت أم يعقوب ما هذا ؟ قال عبد الله وما لي لا ألعن من لعن رسول الله وفي كتاب الله ؟ قالت والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته قال والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }
إذن ما يأمر به النبي وينهى عنه هو من الذكر وكأنه مكتوب بين اللوحين
** أما عن الأدلة التى لا تكفى البعض ويريدون سلفاً في فهمها رغم وضوحها كالشمس:
راجع الإحكام (1-109) وسأنقلها لك :
قال الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * وقال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * وقال تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم فصح أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كله في الدين وحي من عند الله عز وجل، لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شئ أبدا تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه، إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبا وضمانه خائسا، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل، فوجب أن الدين الذي أتانا به محمد صلى الله عليه وسلم محفوظ بتولي الله تعالى حفظه، مبلغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبدا إلى انقضاء الدنيا قال تعالى ومن بلغ فإذ ذلك كذلك فبا لضروري ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شئ قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين، ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين، إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ، ولكان قول الله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * كذبا ووعدا مخلفا وهذا لا يقوله مسلم.
فإن قال قائل: إنما عنى تعالى بذلك القرآن وحده، فهو الذي ضمن تعالى حفظه
لسائر الوحي الذي ليس قرآنا.
قلنا له وبالله تعالى التوفيق: هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * فصح أن لا برهان له على دعواه، فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن أو من سنة وحي يبين بها القرآن، وأيضا فإن الله تعالى يقول: * (بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) * فصح أنه عليه السلام مأمور ببيان القرآن للناس.
وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان بيانه عليه السلام لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها، فما أخطأ فيه المخطئ أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من هذا، وأيضا نقول لمن قال: إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يوجب العلم، وإنما يجوز فيه الكذب والوهم، وأنه غير مضمون الحفظ: أخبرونا هل يمكن عندكم أن تكون شريعة فرض أو تحريم أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة، فجهلت حتى لا يعملها علم يقين أحد من أهل الاسلام في العالم أبدا، وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطا لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الاسلام في العالم أبدا، أم لا يمكن عندكم شئ من هذين الوجهين ؟.
فإن قالوا: لا يمكنان أبدا، بل قد أمنا ذلك، صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبر رواه الثقة عن الثقة مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الديانة، فإنه حق قد قاله عليه السلام كما هو، وأنه يوجب العلم ونقطع بصحته، ولا يجوز أن
يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم قط اختلاطا لا يتميز فيه الباطل من الحق أبدا وإن قالوا: بل كل ذلك ممكن كانوا قد حكموا بأن الدين دين الاسلام قد فسد وبطل أكثره، واختلط ما أمر الله تعالى به مع ما لم يأمر به اختلاطا لا يميزه أحد أبدا، وأنهم لا يدرون أبدا ما أمرهم به الله تعالى مما لم يأمرهم به، ولا ما وضعه الكاذبون والمستخفون مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث، والذي لا يغني من الحق شيئا وهذا انسلاخ من الاسلام، وهدم للدين، وتشكيك في الشرائع.
ثم نقول لهم: أخبرونا إن كان ذلك كله ممكنا عندكم، فهل أمركم الله تعالى بالعمل بما رواه الثقات مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يأمركم بالعمل به ؟ ولا بد من أحدهما.
فإن قالوا: لم يأمرنا الله تعالى بذلك لحقوا بالمعتزلة، وسيأتي جوابهم على هذا القول إن شاء الله تعالى، وإن قالوا: بل أمرنا الله تعالى بالعمل بذلك قلنا لهم: فقد قلتم إن الله تعالى أمركم بالعمل في دينه بما لم يأمركم به مما وضعه الكذابون، وأخطأ فيه الواهمون، وأمركم بأن تنسبوا إليه تعالى وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم ما لم يأتكم به قط، وما لم يقله الله تعالى قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا قطع بأنه عز وجل أمر بالكذب عليه، وافترض العمل بالباطل، وبما ليس من الدين، وبما شرع الكذابون مما لم يأذن به الله تعالى وهذا عظيم جدا لا يستجيز القول به مسلم.
ثم نسألهم عما قالوا: إنه ممكن من سقوط بعض ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحكم في الدين بإيجاب أو تحريم حتى لا يوجد عند أحد، هل بقي علينا العمل به أم سقط عنا ؟ ولا بد من أحدهما، فإن قالوا: بل هو باق علينا.
قلنا لهم: كيف يلزمنا العمل بما لا ندري وبما لم يبلغنا ولا يبلغنا أبدا.
وهذا هو تحميل الاصر والحرج والعسر الذي قد آمننا الله تعالى منه.
وإن قالوا: بل سقط عنا العمل به، قلنا لهم: فقد أجزتم نسخ شرائع من شرائع الاسلام مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي محكمة ثابتة لازمة، فأخبرونا من الذي نسخها وأبطلها، وقد مات صلى الله عليه وسلم وهي لازمة لنا غير منسوخة ؟ وهذا خلاف الاسلام والخروج منه جملة.
فإن قالوا: لا يجوز أن يسقط حكم شريعة مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لازم لنا ولم ينسخ.
قلنا لهم: فمن أين أجزتم هذا النوع من الحفظ في الشريعة ؟ ولم تجيزوا تمام الحفظ للشريعة في ألا يختلط بها باطل لم يأمر الله تعالى به قط، اختلاطا لا يتميز معه الحق الذي أمر الله تعالى به من الباطل الذي لم يأمر به تعالى قط ؟ وهذا لا مخلص لهم منه، ولا فرق بين من منع من سقوط شريعة حق وأجاز اختلاطها بالباطل، وبين من منع من اختلاط الحق في الشريعة بالباطل، وأجاز سقوط شريعة حق، وكل هذا باطل لا يجوز البتة وممتنع قد أمنا كونه ولله الحمد، وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد العدل عن قد أمنا كونه ولله الحمد وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مقطوع به موجب للعمل والعلم معا.
وأيضا قال الله تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم) * وقد قال تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس نسألهم هل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنزل الله إليه أو لم يبين ؟ وهل بلغ ما أنزل الله إليه أو لم يبلغ ؟ ولا بد من أحدهما، فمن قولهم إنه عليه السلام قد بلغ ما أنزل الله إليه وبينه للناس، وأقام به الحجة على من بلغه، فنسألهم عن ذلك التبليغ وذلك البيان: أهما باقيان عندنا وإلى يوم القيامة ؟ أم هما
غير باقيين ؟ فإن قالوا: بل هما باقيان وإلى يوم القيامة رجعوا إلى قولنا، وأقروا أن الحق من كل ما أنزل الله تعالى في الدين مبين مما لم ينزله، مبلغ إلينا وإلى يوم القيامة، وهذا هو نص قولنا في أن خبر الواحد العدل عن مثله مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مقطوع على مبينه موجب للعلم والعمل.
وإن قالوا: بل هما غير باقين، دخلوا في عظيمة وقطعوا بأن كثيرا من الدين قد بطل، وإن التبليغ قد سقط في كثير من الشرائع، وأن تبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثير من الدين قد ذهب ذهابا لا يوجد معه أبدا، وهذا هو قول الروافض بل شر منه، لان الروافض ادعت أن حقيقة الدين موجودة عند إنسان مضمون كونه في العالم، وهؤلاء أبطلوه من جميع العالم، ونعوذ بالله من كلا القولين.
وأيضا فإن الله تعالى قال: قل انما حرم ربى الفواحش ما طهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحقى وان تشر كوا بالله ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * وقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاء هم من ربهم الهدى) * وقال تعالى: إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * وقال تعالى ذاما لقوم قا لوا إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) * وقال تعالى: قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) *.
وقد صح أن الله تعالى افترض علينا العمل بخبر الواحد الثقة عن مثله مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نقول أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، وقال عليه السلام كذا، وفعل عليه السلام كذا، وحرم القول في دينه بالظن، وحرم تعالى أن نقول عليه إلا بعلم.
فلو كان الخبر المذكور يجوز فيه الكذب، أو الوهم لكنا قد أمرنا الله تعالى بأن نقول عليه ما لا نعلم، ولكان تعالى قد أوجب علينا الحكم في الدين بالظن الذي لا نتيقنه، والذي هو الباطل
الذي لا يغني من الحق شيئا، والذي هو غير الهدى الذي جاءنا من عند الله تعالى، وهذا هو الكذب والافك والباطل الذي لا يحل القول به، والذي حرم الله تعالى علينا أن نقول به، وبالتخرص المحرم فصح يقينا أن الخبر المذكور حق مقطوع على غيبه، موجب للعلم والعمل معا، وبالله تعالى التوفيق.
وصار كل من يقول بإيجاب العمل بخبر الواحد، وأنه مع ذلك ظن لا يقطع بصحة غيبه، ولا يوجب العلم – قائلا بأن الله تعالى تعبدنا أن نقول عليه تعالى ما ليس لنا به علم، وأن نحكم في ديننا بالظن الذي قد حرم تعالى علينا أن نحكم به في الدين، وهذا عظيم جدا.
وأيضا فإن الله تعالى يقول: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا وقال تعالى ومن بينع غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وقال تعالى ان الدين عند الله الاسلام وما اختلف الدين أو تو الكتاب الا من بعد ما جاء هم العلم بغيا بينهم وقال تعالى كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه قال أبو محمد فنقول لمن جوز ان يكون ما امر الله تعالى به نبيه عليه عليه السلام من بيان شريعة الاسلام لنا غير محفوظ، وإنه يجوز فيه التبديل، وأن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطا لا يتميز أبدا: أخبرونا عن إكمال الله دينا ورضاه الاسلام لنا دينا، ومنعه تعالى من قبول كل دين حاشا الاسلام، أكل ذلك باق علينا ولنا إلى يوم القيامة ؟ أم إنما كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم فقط ؟ أم لا للصحابة ولا لنا ؟ ولا بد من أحد هذه الوجوه.
فإن قالوا: لا للصحابة ولا لنا، كان قائل هذا القول كافرا لتكذيبه الله تعالى جهارا وهذا لا يقوله مسلم، وأن قالوا: بل كان كل ذلك باق لنا وعلينا إلى يوم القيامة صاروا إلى قولنا ضرورة، وصح أن شرائع الاسلام كلها كاملة، والنعمة بذلك علينا تامة، وأن دين الاسلام الذي ألزمنا الله تعالى اتباعه لانه هو الدين عنده عز وجل متميز عن غيره الذي لا يقبله الله تعالى من أحد، وأننا ولله الحمد قد هدانا الله تعالى له، وأننا على يقين من أنه الحق وما عداه هو الباطل، وهذا برهان ضروري قاطع على أنه كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين، وفي بيان ما يلزمنا محفوظ لا يختلط به أبدا ما لم يكن منه وإن قالوا: بل كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم، وليس ذلك لنا ولا علينا كانوا قد قالوا الباطل وخصصوا خطاب الله تعالى بدعوى كاذبة، إذ خطابه تعالى بالآيات التي ذكرنا عموم لكل مسلم في الابد، ولزمهم مع هذه العظيمة أن دين الاسلام غير كامل عندنا، وأنه تعالى رضي لنا منه ما لم ينبته علينا، وألزمنا ما لا ندري أين نجده، أو ألزمنا ما لم ينزله، وافترض علينا اتباع ما كذبه الزنادقة والمستخفون، ووضعوه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أو وهم فيه الواهمون مما لم يقله نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا بيقين ليس هو دين الاسلام، بل هو إبطال الاسلام جهارا، ولو كان هذا – وقد أمنا ولله الحمد أن يكون – لكان ديننا كدين اليهود والنصارى الذي أخبرنا الله تعالى أنهم كتبوا الكتاب وقالوا هو من عند الله.
قال أبو محمد: حاشا لله من هذا، بل قد وثقنا بأن الله تعالى صدق في قوله فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه وأنه تعالى قد هذا نا للحق فصح يقينا أن كل ما قاله عليه السلام فقد هدانا الله تعالى له وأنه الحق المقطوع عليه، والعلم المتيقن الذى لا يمكن امتزاجه بالباطل أبدا.
قال على: وقال بعضهم إذا انقطعت به الاسباب خبر الواحد يوجب علما ظاهرا قال أبو محمد: وهذا كلام لا يعقل، وما علمنا علما ظاهرا غير باطن، ولا علما باطنا، غير ظاهر، بل كل علم تيقن فهو ظاهر إلى من علمه وباطن في قلبه معا.
وكل ظن يتيقن فليس علما أصلا، لا ظاهرا ولا باطنا، بل هو ضلال وشك وظن محرم القول به في دين الله تعالى ونقول لهم: إذا جاز عندكم أن يكون كثير من دين الاسلام قد اختلط بالباطل، فما يؤمنكم إذ ليس محفوظا من أنه لعل كثيرا من الشرائع قد بطلت، لانها لم ينقلها أحد أصلا ؟ فإن منعوا من ذلك لزمهم المنع من اختلاطها بما ليس منها، لان ضمان حفظ الله تعالى يقتضي الامان من كل ذلك.
وأيضا فإنه لا يشك أحد من المسلمين قطعا في أن كل ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من شرائع الدين واجبها وحرامها ومباحها، فإنها سنة الله تعالى، وقد قال عز وجل ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا هذا نص كلامه تعالى.
وقد قال تعالى لا تبديل لكلمات الله فلو جاز أن يكون ما نقله الثقات الذين افترض الله تعالى علينا قبول نقلهم والعمل به القول بأنه سنة الله تعالى وبيان نبيه عليه السلام يمكن في شئ منه التحويل أو التبديل، لكان إخبار الله تعالى بأنه لا يوجد لهما تبديل ولا تحويل كذبا، ولكانت كلماته كذبا، وهذا ما لا يجيزه مسلم أصلا، فصح يقينا لا شك فيه أن كل سنة سنها الله تعالى من الدين لرسوله صلى الله عليه وسلم.
وسنها رسوله عليه السلام لامته، فإنها لا يمكن في شئ منها تبديل ولا تحويل أبدا وهذا يوجب أن نقل الثقات في الدين يوجب العلم بأنه حق كما هو عند الله تعالى، وقولنا ولله الحمد.
وأيضا: فإنهم مجمعون معنا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من الله تعالى في البلاغ في الشريعة، وعلى تكفير من قال ليس معصوما في تبليغه الشريعة إلينا.
فنقول لهم: اخبرونا عن الفضيلة بالعصمة التي جعلها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في تبليغه الشريعة التي بعث بها ؟ أهي له عليه السلام في إخباره الصحابة بذلك فقط ؟ أم هي باقية لما أتى به عليه السلام في بلوغه إلينا وإلى يوم القيامة ؟ فإن قالوا: بل هي له عليه السلام مع من شاهده خاصة لا في بلوغ الدين إلى من بعدهم.
قلنا لهم: إذا جوزتم بطلان العصمة في تبليغ الدين بعد موته عليه السلام، وجوزتم وجود الداخلة والفساد والبطلان والزيادة والنقصان والتحريف في الدين، فمن أين وقع لكم الفرق بين ما جوزتم من ذلك بعده عليه السلام ؟ وبين ما منعتم من ذلك في حياته منه عليه السلام ؟ فإن قالوا: لانه كان يكون عليه السلام غير مبلغ ما أمر به، ولا معصوم، والله تعالى يقول: * (يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) * قيل لهم: نعم وهذا التبليغ المعترض عليه – والذي هو فيه عليه السلام معصوم بإجماعكم معنا من الكذب والوهم – هو إلينا كما هو إلى الصحابة رضي الله عنهم ولا فرق، والدين لازم لنا كما هو لازم لهم سواء بسواء فالعصمة واجبة في التبليغ للديانة باقية مضمونة ولابد إلى يوم القيامة كما كانت قائمة عن الصحابة رضي الله عنهم سواء بسواء.
ومن أنكر هذا فقد قطع بأن الحجة علينا في الدين غير قائمة والحجة لا تقوم بما لا يدرى أحق هو أم باطل كذب ؟.
ثم نقول لهم وكذلك قال تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا فمن يقبل منه قد تبين الرشد
من الغى فإن اعوا إجماعا قلنا لهم من الكرامية من يقول انه عليه السلام غير معصوم في تبليغ الشريعة.
فإن قالوا: ليس هؤلاء ممن يعد في الاجماع، قلنا: صدقتم، ولا يعد في الاجماع من قال: إن الدين غير محفوظ، وإن كثيرا من الشرائع ا لتي أنزل الله تعالى قد بطلت واختلطت بالباطل الموضوع والموهوم فيه اختلاطا لا يتميز معه الرشد من الغي ولا الحق من الباطل ولا دين الله تعالى من دين إبليس أبدا.

اسباب عدم تراجع المخالف للظاهرية عن منهجه؟

اسباب عدم تراجع المخالف للظاهرية عن منهجه؟
______________________________________
سَببٌ مِن الأسباب الرئيسية التي تحول بين المخالف للظاهرية وبين عدم تراجعه عن نهجه الباطل، واللهُ أعلم – هو أنَّ المخالف للظاهريةيُصْدَم مِن هَوْل الكارثة التي كان يعيش معها منذ زمن طويل: هل كنت أعتقد اعتقادا باطلا منذ عشرين سنة مثلا؟
أو: لقد درست عِلم الشريعة وأُصول الدين في الجامعة، وعند العلّامة الدكتور فلان، أو الشيخ المفتى فلان فهل يُعقل أن تكون منهجه فاسد؟
أنا شيخ وإمام مسجد منذ حوالي عشرين سنة مثلا ، وأُدَرِّس الدين، وما قال اللهُ وما قال الرسول عليه الصلاه والسلام ، فهل يُعقل أنْ أكون على باطل ؟ لا وألف لا. كيف أكون على باطل وأنا قد تخرّجت على كتب “شيخ الإسلام” أو الإمام فلان الذي هو «أكبر آيات الله في خلقه ** ، به حفظ اللهُ العقيدة الصحيحة والشريعة وأحكام الدين، هل يُعقل أن يكون “شيخى أو إمامى” على باطل ؟ وهل …. وهل … وهل…؟ كُلُّ هذه التّساؤلات، وغيرها، تخطر على بال المخالف للظاهرية وتحول دون تراجعه ولكن، أين أنت مِن قول الله: (وَقِفُوهُمْ إنّهُم مَّسْئولونَ) ، ماذا ستجيب إن سُئلت عن خطئك وعدم رجوعك بعد معرفة الحق؟ هل ستجيب: قال ابن تيمية، وقال ابن القَيِّم الجَوْزيّة، وقال ابن باز، وقال النووى وقال أبو حنيفة وقال مَن قال … وأنا اتّبعتهم؟! وأنا الآن أسألك وأنت ما زلت على قيد الحياة: وماذا قال مَن سبقهم مِن السَّلف الصالح كابن عباس وابن عمر أو الخلفاء الراشدين وغيرهم فلماذا لا تتبعهم؟!
انج بنفسك ودعك من أقوال من تجعلهم حجة بينك وبين الله بغير حجة أو دليل …فالحجة هى ما ألزمك الله بك فقط وهى الكتاب والسنة ….

كيف انحرفت السلفية المعاصرة عن منهجها؟

كيف انحرفت السلفية المعاصرة عن منهجها؟
الجواب في هذا المقال لأحد المنتسبين إلى السلفية 
احتواء السلفيين .. واستلاب العقول ..!! بقلم : أحمد مولانا عضو المكتب السياسي للجبهة السلفية

انبعث المنهج السلفي بقوة في النصف الثاني من القرن العشرين ليحرر العقول والنفوس من أسر التقليد المذهبي القائم على اتباع الأراء الفقهية المرسلة الغير مبنية على أدلة شرعية صحيحة ، وليخلصها من منهج الاتباع الصوفي القائم على نظرية “شيخ الطريقة والمريدين” الذين يتبعون الشيخ وينفذون أوامره دون النظر لمدى موافقتها أو مخالفتها للأدلة الشرعية .

وأدى هذا المنهج السلفي المبارك إلى إحياء الاتباع السني المبني على الدليل الشرعي ، مما أثمر نهضة فكرية وعلمية وعقلية ونفسية في صفوف أبناء الحركة الإسلامية توجت بظهور الصحوة الإسلامية المعاصرة كلاعب أساسي يؤدي دوراً هاماً وبارزا ً في تبني قضايا الأمة والدفاع عنها.

ولكن سرعان ما انتبهت الجاهلية لهذا المنهج الإحيائي وسعت لإحتوائه وحرفه عن مساره بواسطة سياسة تقوم على عدة محاور من أبرزها ” إحتواء الفكر عن طريق السيطرة على الرموز” ليتم تغيير المنهج بشكل قمي تنازلي بدءاً من الرموز وانتهاءاً بالأفراد حيث تم شن حملات أمنية ودعائية تشويهية مكثفة ضد الرموز المؤثرة لتغييبها عن صدارة المشهد الدعوي، حيث منعها الأمن من إلقاء الدروس والخطب ،وسيطر على مساجدها ، وصادر اصدارتها المكتوبة والمسموعة ، ومنعها من الظهور في الفضائيات فاختفت من الساحة أسماء مشائخ كمحمد عبدالمقصود ونشأت أحمد وفوزي السعيد ومحمد المقدم وهشام عقدة ورفاعي سرور ، بينما سمح بالتواجد القوي لشخصيات أخرى بعضها محترم ولكنه يتبنى قضايا لا تؤثر على مجريات الأحداث وديمومة الظلم ، و البعض الاخر يتبنى اطروحات تكرس لهيمنة الباطل وتضفي الشرعية على وجوده ، وتثبط الناس عن إزالته وتغييره.

•الترويج لمعايير جديدة يتم من خلالها تقييم الرموز ، فظهرت معايير الشهرة الإعلامية واللغة الخطابية كبدائل لمعايير العمل بالعلم والصدع بالحق وتبني قضايا الأمة ، وصار مجرد الظهور المتكرر في البرامج الفضائية والكلام الفصيح المصحوب بابتسامات متواصلة أو بكاء مصطنع عوامل كافية لنيل الرمزية المطلوبة بالرغم من هشاشة المضمون وهامشية الطرح.

•ومن أخطر الخطط التي نفذت استبدال أطروحة ” اتباع الدليل” بأطروحة” تقديس المشائخ” ، ونفذت هذه الخطة بأسلوب ماكر وبسيط يقوم على فكرة أن الذي يعرف الأدلة الشرعية هو الشيخ ، لذا يجب أن نتبع الشيخ لأننا لن نعرف الأدلة أكثر منه ، ولما وُضعت من قبل معايير مصطنعة يقُوم من خلالها الرموز والمشائخ ، تقفز على المعايير المعروفة و المذكورة في كتب أصول الفقه، وتتخذ الشهرة الإعلامية مرتكزاً لها ، صار قطاع واسع من المشائخ المشهورين إعلاميا والمسموح بتواجدهم أمنياً هم مصدر التلقي الذي يتعرف منه الأفراد على دينهم وينزلون على أرائهم في النوازل والمستجدات ، وبهذه الحيلة تمت السيطرة على أقوى ركائز الفكر السلفي المتمثلة في أطروحة ” اتباع الدليل” ، وتمت العودة لمربع أسوأ من المربع القديم الذي كانت تقدس فيه أراء أئمة من أهل العلم المتقدمين المشهود لهم بالتقوى، وليُصار لتقديس أراء أحياء لا تؤمن عليهم الفتنة إن لم تكن أقوال وتصرفات بعضهم في ذاتها فتنة، وليتم استلاب ومصادرة عقول قطاعات واسعة من الأفراد بواسطة أطروحات فاسدة ،مما انتج اتباع يواجهون أصحاب أي مشاريع إصلاحية تغييرية بعدد من الأسئلة المنمطة تم زرعها في النفوس والعقول بطريقة لا شعورية ممنهجة ومن أبرزها :

من زكاك من المشائخ المشهورين؟

و هذا السؤال يتجاوز أصل شرعي هام، وهو “قبول الحق من أي كان ” حتى لو كان قائله هو الشيطان نفسه ، لأن الحق قيمته ذاتية تنبع منه نفسه لا من قائليه ، دل على ذلك أحاديث عديدة ومواقف متنوعة من حياة الخلفاء الراشدين:

- فقد روى الإمام البخاري في صحيحه قصة أبي هريرة مع إبليس، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأبي هريرة : ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلماتٍ ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: وما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم) “البقرة:255″ وقال لي( ابليس): لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبح -وكانوا أحرص شيءٍ على الخير- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، أتعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة ؟ قال: لا. قال: ذاك الشيطان).

- وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحق من حبر يهودي : فعن قتيلة بنت صيفي الجهينية قالت: أتى حبر من أحبار اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، نعم القوم أنتم، لولا أنكم تشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سبحان الله وما ذاك ؟! ” قال : تقولون إذا حلفتم والكعبة. قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال : ” إنه قد قال، فمن حلف فليحلف برب الكعبة ” قال : يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً ، قال صلى الله عليه وسلم : ” سبحان الله ، وما ذاك ؟! قال تقولون ما شاء الله وشئت . قالت فأمهل رسول الله صلى الله شيئاً ثم قال : ” إنه قد قال، فمن قال : ما شاء الله فليفصل بينهما ثم شئت ) رواه النسائي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 213 “.

‎- وقبل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الحق من امرأة عارضته في مسألة تحديد المهور وهو في خطبته على ملأ من الناس، فقال: “اصابت امرأة واخطأ عمر ” … ولم يسألها رضي الله عنه : من أنت ؟ من زكاك من أهل العلم؟.

- و تأمل قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لحارث بن حوط حينما سأله : أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ : يا حارث! إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله”.

لذا تجب مناقشة الأطروحة ذاتها والفكرة نفسها ،لا أن يتم تجاهلها لحين التعرف على قائلها وخلفياته، مع التأكيد على عدم إهمال هذه الخلفيات لقوله صلى الله عليه وسلم ” صدقك وهو كذوب”.

ما هي حصيلتك العلمية؟

و هذا السؤال يتجاهل أيضاً مسألة علمية هامة وهى ” تجزؤ العلم” فلا يلزم للتكلم في مسألة سوى العلم بها ، وبما يتعلق بها من مسائل ، لا العلم بغيرها من المسائل، حيث يقول العلامة ابن القيم في “اعلام الموقعين

“الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره، أو في باب من أبوابه، كمن استفرغ وسعه في نوع من العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.

من أنا حتى استطيع فهم الدليل أو التعامل معه مباشرة ؟

قائل هذاالسؤال لا يستطيع حسب كلامه فهم الدليل ، لذا يُعد مقلداً ، والمقلد لا يجوز له نقل الفتوى لغيره بل عليه العمل بها في نفسه فقط، فعلى سبيل المثال إذا أفتاه الشيخ فلان بعدم جواز المظاهرات عليه ألا يشارك فيها بنفسه لا أن يدعو الناس لعدم المشاركة ، لأنه بذلك يتعدى حدوده كمقلد ، ،يقول ابن القيم في “أعلام الموقعين” (لا يجوز للمقلد ان يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى انه قول من قلده دينه هذا إجماع من السلف كلهم )، ولا يجوز له من باب أولى التشنيع على أصحاب الاجتهادات المخالفة من أهل العلم لأنه ليس نداً لهم ليناقشهم أو ينتقص منهم

تداعيات هيمنة أطروحة ” تقديس المشائخ”:

أنتجت هذه الأطروحة قطاعات سلفية لا تتحرك لنصرة قضايا الأمة إلا إذا قال لهم الشيخ المشهور فلان أو علان بالرغم من وضوح الأدلة الشرعية في هذه القضايا ، فغابت الألوف عن المشاركة في الأحداث المفصلية والهامة مثل :

•ثورة يناير التي قامت لاسقاط طاغية يحكم بالحديد والنار، ويكتوي الإسلاميون بظلمه أكثر من غيرهم

•قضية مقتل سيد بلال ومن قبله قضية مقتل خالد سعيد، ولنتأمل كيف حملت الأجيال المصرية الشبابية قضية خالد سعيد واخرجتها للعلن ،وجعلته رمزاً للمظلومين، بينما غيب بعض الاسلاميين قضية سيد بلال وعملوا على دفنها مع جثمانه ليطويه ويطويها النسيان.

•قضايا المختطفات من المسلمات الجدد مثل كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين، والتي تمثل في ذاتها قضايا إنسانية ذات فصول مأساوية ، فضلاً عن أبعادها الشرعية التي تستدعي للذاكرة مفاهيم الولاء والبراء ونصرة المظلوم.

•نصرة المظلومين من المعتقلين ، والمطالبة بمقاضاة ضباط التعذيب ومنتهكي حقوق البشر.

بل وصل الأمر إلى الجمع بين المتناقضات دون أن يثير ذلك تساؤلات في أذهان الأفراد : حيث تحول بعض المشهورين من القول ببدعية المظاهرات جملة وتفصيلاً إلى التحريض على المشاركة في مظاهرات للدفاع عن أحد المشائخ الفضلاء من أصحاب المواقف القوية الذابة عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يطرحوا تأصيلا جديدا ينقض التأصيل السابق لحرمة المظاهرات وبدعيتها ، و فجأة تحول مبارك بعد سقوطه من ولي أمر شرعي لا يجوز الخروج عليه إلى فرعون العصر.

ختاماً :

إن قطاعات واسعة من التيار السلفي تحتاج لاستثمار فترة الحرية الحالية لإجراء مراجعات حرة في ظروف صحية لا تخضع لضغوط أمنية أو مجتمعية لتصحيح منظومة المصالح والمفاسد المعوجة التي انتجت مواقف مشينة و مخزية ، ولتعيد لأطروحة ” اتباع الدليل” رونقها ،ولتهدم مرة أخرى أطروحة ” تقديس المشائخ”، ولتعمل على بناء شخصيات سلفية حرة تتفاعل مع قضايا الأمة وتستشعر آلامها وتحمل أمالها وتسعى لنهضتها لتؤدي دورها المطلوب في قيادة البشرية لبر الأمان.

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.