من هو أول من نَظّر للعلمانية من فقهاء المسلمين؟

من هو أول من نَظّر للعلمانية من فقهاء المسلمين؟

هل تعلم أخى الكريم اسم الفقيه وكيف نَظّر للعلمانية؟ وكيف طار العلمانيون بكلامه كل مطار؟

الفقيه المذكور نَظّر للعلمانية بقوله أن العبادات مبنية على النص والمعاملات مبنية على المصلحة…فهو يقدم المصلحة المطلقة على جميع النصوص الشرعية في المعاملات أى اعبد ربك كما تشاء وفقاً للنص وما عدا ذلك فيخضع للمصلحة !!!!
وهذا أقصى ما يطمع فيه العلمانيون من أى فقيه !

وغفل هذا الفقيه أو تغافل عن أن الأصل اتباع النص ، ففيه كل المصلحة ، مصلحة الدنيا و مصلحة الآخرة ، وكل من عارض نصا بمصلحة أو هوى أو ما شابه فهو ضال مضل.

قال تعالى : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمره).

وهذه المقالة قول خطير وشاذ ومخالف بل ويهدم أهم أصل من أصول التشريع ، حتى وإن كان لم يقصد هذه النتيجة إبتداءاً!

فإننا نرى بعض من ضاق ذرعا بالنصوص يتبنى هذه المقالة، ويكثر ترداد المصلحة المرسلة!
يريدون بذلك نسخ أحكام لا توافق هواهم بمصالح مرسلة  مظنونة أو متوهمة!
والحق الذي نؤمن به أنه حيث وجد الشرع والنصوص فثم المصلحة، فطن لذلك من فطن وتعامى عنه من تعامى!

 

 

وأول من ابتدع تقديم المصلحة على النص هو إبليس

 

في قصة آدم وحواء وإسكانهما الجنة وسوس إليهما (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ  فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) فقدما مصلحتهما في الخلد وملك لا يبلى على نص التحريم للشجرة (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ)

 


نعود إلى الفقيه الذي نظر لما ذكرناه:


هذا الفقيه هو سليمان بن عبدالقوي نجم الدين الطوفي الحنبلي المتوفى سنة 716هـ
يقول الطوفي في كتابه ( التعيين في شرح الأربعين ) ص237 -280 عند شرح حديث (لاضرر ولاضرار) :
)…ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فيؤخذ من أدلته ، لأنّا نقول: قد قدرنا أن رعاية المصلحة في أدلة الشرع ،وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المصالح

 


ثم إن هذا يقال في العبادات التي تخفى مصالحها على مجاري العقول والعادات ،أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل ،فإنا رأينا دليل الشرع متقاعداً عن إفادتها،علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها ،كما أن النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أنّا أحلنا بتمامها على القياس ، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بجامع بينهما(

ويُضيف على حجية المصلحة وتقديمها على النص بزعمه مستدلاً على ذلك بوجوه منها:

 

1-    منكرو الإجماع قالوا برعاية المصالح ،فهو إذاً محل وفاق ، والإجماع محل خلاف ،والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه!!!.

 

2-    النصوص مختلفة متعارضة !!!، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً ، ورعاية المصالح أمر (حقيقي في نفسه) ,ولا يُخْتَلَفْ فيه ، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً ، فكان اتباعه أولى!!
وقد ذكر الطوفي في شرحه أن الأدلة عند الأصوليين تسعة عشردليلا ثم ذكرها (الكتاب والسنة والإجماع …ثم قال … وهذه الأدلة التسعة عشرأقواها النص والإجماع ، ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها فإن وافقاها فبها ونعمت ولا نزاع إذ قد اتففت الأدلة الثلاثة على الحكم وهي النص والإجماع و رعاية المصلحة المستفادة من قوله صلى الله عليه وسلم (( لا ضرر ولا ضرار))
وإن خالفاها : وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما لا بطريق الافتيات عليهما والتعطيل لهما ، كما تقدم السنة على القرآن بطريق البيان .

 

وتقرير ذلك : أن النص والإجماع إما أن لايقضيا ضررا ولا مفسدة بالكلية أو يقضيا ذلك  فإن لم يقضيا شيئا من ذلك فهما موافقان لرعاية المصلحة ،وإن اقتضيا ضررا فإما أن يكون مجموع مدلوليهما أو بعضه ، فإن كان مجموع مدلوليهما  ضرراً فلا بد أن يكون من قبيل ما استثني من قوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضرر ولاضرار )) وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات وإن كان الضرر بعض مدلوليهما فإن اقتضاه دليل خاص اتبع الدليل فيه ، وإن لم يقتضهما خاص وجب تخصيصهما بقوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضرر ولا ضرار ))  ولعلك تقول : إن رعاية المصلحة المستفادة من قوله عليه الصلاة والسلام (( لا ضرر ولا ضرار )) لا تقوى معارضة الاجماع لتقضي عليه بطريق التخصيص والبيان لأن الاجماع دليل قاطع وليس كذلك رعاية المصلحة لأن الحديث الذي دلَّ عليهما واستفيدت منه ليس قاطعا فهي أولى ))

 


– قام البعض من الحنابلة وغيرهم بالدفاع عن الطوفي وذكروا أنه يخصص عموم النص بالمصلحة ولكن كلامه واضح أنها مقدمة على النص لأنها دليل مستقل بل أقوى الأدلة عنده وتقدم على غيرها …

وهذا يؤيده قوله ( ولايقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فيؤخذ من أدلته،لأنا نقول : قد قررنا أن رعاية المصالح من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المصالح) اهـ.

وهذا الذي فهمه العلماء المنصفون من كلام الطوفي ولذلك ردوا عليه.

وأما قوله (وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان) فلا يدل على أنه لايقدم المصلحة على النص ، بل هو يقول إن تقديم المصلحة على النص هو ما تدل عليه الأدلة الشرعية ، وهو ما تكلف في إثباته في شرحه على الأربعين وأطال في ذلك فيما يقترب من خمسين صفحة .
من ذلك يتبين لنا بصورة قاطعة أن الطوفي يقرر أن الأدلة الشرعية تدل على تقديم المصلحة على النص -انطلاقا من فهم خاطئ لحديث (ضعفه كثير من العلماء) (لاضرر ولا ضرار(

 

 

مثلا لو وجدنا نصا من الشرع على تحريم شيء معين ، ولكن المصلحة تقتضيه فإنا نجيزه لأن الشرع يأمر بالمصلحة في مجمل أدلته ، وكون هذا النص يحرم هذاالشيء يمكن أن نخصص هذا النص بالمصلحة ، وهكذا أي أنه يجعل مصدر التشريع فى أحكام المعاملات إنما هى المصلحة ولو خالفت نصاً ولو كان قطعياً وهذا عين قول العلمانيين !

 

بل الصالح والحسن والنافع أسماء لشئ واحد .

 

فلا معنى لقول القائل بتقديم المصلحة على النص , لأن ما ثبت أنه مصلحة – خالصة أو راجحة – فهو مشروع منصوص بنص الكتاب والسنة – نصا عاما ، فإن الله يأمربالعدل والإحسان وأمر الناس بالطاعة والتقوى لعلهم يفلحون.
ولا معنى لتقديم الطوفي المصلحة على الإجماع ، لأن التعارض بينهما أبدا لن يقع . فكل ما أجمع عليه المسلمون فهو صالح ! .

 

ــ جعل الطوفي المصالح كلها على درجة واحدة، حتى صار يتكلم في جلب المصلحة المظنونة بكلام لا يقال إلا في دفع الضرر المتيقن!!

والضرورة في الشرع إنما تقدر بقدرها!

والضرورة ليست هي المصلحة أو الحاجة وأكل الميتة لا يبرره الحاجة أو المصلحة المظنونة أو المتوهمة أو حتى المتيقنة!

 

ولكن من الضرورات التي تبيح المحظورات! والمصلحة لن تكون إلا حيث يكون الشرع!

فعند التأمل فإننا لا نجد المصلحة إلا في النص وبوفق النص، وأما الضرر فيقدر بقدره، وهذا أيضا بالنص والإجماع، فلا يبقى للطوفي شيء يصح إطلاق اسم المصلحة عليه مما ينطبق عليه كلامه ، وعندما نعرف أن المنصوص والصالح وجهان لعملة واحدة ، فالكلام عن تقديم أحدهما على الآخر باطل لكن لا بد من تحرى المنصوص والصالح . فإنما نشأ الغلط من اعتبار ما ليس بمنصوص منصوصا وما ليس بصالح صالحا ب  يستدل بالنص على المصلحة.


أما قوله : ويشهد لذلك من السنة النبوية :
ــ ترك هدم الكعبة وبائها على قواعد ابراهيم وهو أمر مشروع لكن قدمت عليه المصلحة

ــ ترك قتل رأس المنافقين ابن سلول وهو أمر مشروع بل وأي قربةهو ولكن قدمت عليه المصلحة

نقول :

هذه الوقائع ثبتت بالنصوص فكيف يحتج بالشيء على نفسه
فهذا يذكرني بمن يستدل على القياس بحديث قضاء الدين

شدد العلماء المعاصرين الإنكار  على الطوفي في دعواه وفي عصور تالية :


وممن رد على الطوفي أيضاً وبين بطلان ما ذهب إليه في عصرنا الشيخ محمد أبوزهرة فى كتابه ابن حنبل، ص311 حيث قال ((…لم نجد من يجوز تخصيص النصوص بكثرة، و نسخ بعضها بالاجتهاد إلا بعض الشيعة كالشيعة الامامية ، فانهم لم ينهوا النسخ و تخصيص النصوص بانتقال النبى (صلى الله عليه و سلم) إلى الرفيق الأعلي، بل أجازوا لأئمتهم مخالفتها بعلوم تلقوها، و لقد وجدنا الطوفي يقاربهم لأنه جعل المصلحة تنسخ النصوص و تخصها، فأحل المصلحة محل الأئمة، و التقى الرأيان فى أن النص بعد الرسول لا يزال قابلا للنسخ و الإخراج من عمومه إن وجدت مصالح على مسلك الطوفى أو رأى الامام على مذهب الشيعة……..
و على ذلك نقرر أن مهاجمته للنصوص و نشر فكرة نسخها أو تخصيصها بالمصالح المرسلة، هى أسلوب شيعى أريد به تهوين القدسية التى يعطيها أهل السنة لنصوص الشارع، والشيعةالإمامية يرون أن باب النسخ و التخصيص لم يغلق، لأن الشارع الحكيم جاء بشرعه لمصالح الناس فى الدنيا و الآخرة. وأدرى الناس بذلك الإمام، فله أن يخصص كما خصص النبى صلى الله عليه سلم ، لأنه وصى رسول الله أوصيائه ، وقد أتى الطوفى فى رسالته بالفكرة كلها ،‌ إن لم يذكر كلمة الإمام ليروج القول وتنتشرالفكرة… أ.هـ
ومن الجدير بالذكر أن الشيعة لايأخذون بالمصلحة المرسلة ، لكن ظاهر كلام أبي زهرة أنه ينسبه للطوفي فقط دون الشيعة ولكنه اعتبره أسلوب شيعي .

وفي مقالات زاهد الكوثري أيضا رد على الطوفي بل ذكر أن الطوفي أول من قال بهذا الأمر.


وكذلك رد عليه أصحاب رسائل معاصرة حول هذه المسألة منها (المصلحة في التشريع ونجم الدين الطوفي) للدكتور مصطفى زيد، ومنها (نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي) للدكتور حسين حامد ، وغيرهم وهناك ردود أخرى سأذكرها لاحقاً

أقول أيضاً :

1ـ قول الطوفي (و مما يدل على تقديم رعاية المصلحة علي النصوص و الإجماع علي الوجه الذي ذكرنا وجوه)

وقوله ( إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع ويلزم من ذلك أنها من أدلة الشرع لأن الأقوى من الأقوى أقوى ، ويظهر ذلك من الكلام في المصلحة والإجماع( .
يدل القولان على أنه لا يتحدث عن المصلحة المرسلة التي يوافقه بعض الفقهاء فيها فقط بل يقول أيضاً (…واعلم أن هذه الطريقة التي قررناها – مستفيدين لها من الحديث المذكور-ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك بل هي أبلغ من ذلك وهي التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقدرات وعلى اعتبار المصالح في المعاملات وباقي الأحكام .

وتقرير ذلك أن الكلام في أحكام الشرع إما أن يقع في العبادات والمقدرات ونحوها أو في المعاملات والعادات وشبهها فإن وقع في الأول اعتبر فيه النص والإجماع ونحوهما من الأدلة…..).

القول الجامع أن النصوص الشرعية لا تهمل مصلحة قط !

لعل الطوفي تأثر أولاً بنظرية الإستحسان للمالكية القائمة على تخصيص النصوص بالمصلحة أي ترجيح المصلحة على عموم النص. فاستحسان المالكية وإن لم يشمل النص كله الا ان المناط واحد.

 


2 ـ سبق للغزالي ان أجاز ترجيح المصلحة على حكم النص والاجماع لو تعارضا، معتبراً هذا الترجيح أو التخصيص لا يتم الا طبقاً لثلاثة شروط؛ هي ضرورية المصلحة وقطعيتها وكليتها. فالغزالي فتح الباب – ولو بشروط – مما مهد الطريق وجرأ الطوفي على ما ذهب إليه .

 


3 ـ مبالغة بعض الفقهاء كالشاطبي في كتابه (الموافقات) وإسرافه في الكلام عن المصلحة مع ما سبقه به الطوفي مهد الطريق لبعض الفقهاء المتلاعبين لترجيح المصلحة وأنها بزعمهم هي المقصد الذي تلجأ اليه الشريعة في جميع أحكامها.

 

4-هناك عدد من المقالات التي أطلقها بعض الفقهاء مثل الزعم بتأثير الزمان والمكان على تغيير الأحكام، وتبنيهم أحياناً بعض الفتاوى التي تختلف كلياً عن أحكام النصوص بدعوى أن هذه الأخيرة كانت تعالج وضعاً خاصاً ضمن ظروف معينة لا يليق تمديدها عبر الزمان والمكان.

 

كذلك مقالتهم في جواز تشريع ولي الأمر ما يناسب اعتبارات المصلحة حتى ولو اختلف في ذلك عن السياسة النبوية لتغير الظروف.


فبإضافة هذه الأمور بعضها إلى بعض تصبح النتيجة التي جاء بها الطوفي لها جذورها عند تلك المنطلقات المذهبية التي زخر بها بعض التراث الفقهي المذهبي لأهل الرأي ولولاها لكان من الصعب تصور ان يكون لهذا الفقيه الحنبلي من القدرة والجرأة على ان يصل لمثل ما وصل اليه من نتائج !

 

 

5-ممن ذهب إلى تقديم المصلحة مطلقاً على النصوص في عصرنا الحاضر الشيخ محمد عبده والباقورى وزير الأوقاف المصري السابق وتبعهم بتوسع شديد محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهرالسابق ومفتى مصر على جمعة وبعض الأزهريين
ولحق بهم أتباع سلفية اٌسكندرية كياسر برهامى حيث تعاون مع الانقلاب العسكري الفاشي المجرم وبارك قتل خصومه من افسلاميين لمصلحة الدعوة !
نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة .

 

6-أهل الباطل بعضهم قدوة لبعض فنجد الخميني إمام الرافضة يحسد غلاة أهل الرأي والمصلحة على ما وصلوا إليه فأجري تطويراً كبيراً على الفقه الرافضى وضوابطه ، فأعاد ما سبق ان انفرد به الطوفي في التعويل على المصلحة وترجيحها على حكم النص ضمن القرارات التي اتخذتها دولته الرافضية بل اعتبره أتباعه صاحب طريقة جديدة في الإجتهاد لم يسبق لها غيره من علمائهم لا سيما وأنه أقرّ بتأثير الزمان على عملية الإجتهاد وتقرير الاحكام … فمن المعلوم أن فقهاء الشيعة ينكرون العمل بالمصلحة (الظنية) ولا يقرون مرجعيتها حتى بحدود ما لا نص فيه، لكن الحال لدى الخميني مختلف تماماً، إذ أخذ على عاتقه مبدأ العمل باعتبارات المصلحة الخاصة بحفظ النظام مقدماً إياها على غيرها من الأحكام والأدلة الشرعية، وعلى رأسها أحكام النص.
فنجد الخميني يحدد مجال الأخذ بالمصلحة وترجيحها بتقييد المصلحة بحدود نظام الحكم السياسي وترجيحها على النص فقد دعا إلى تكوين مجلس فقهي لتشخيص مصلحة النظام، بعيداً عن النص وسائر اعتبارات الأدلة التقليدية وأصدر فتوى عام (1988م) أعرب فيها عن أن الحكومة الإسلامية تمثل (سلطة السيادة المطلقة التي وكلها الله سبحانه وتعالى إلى الرسول وأن هذا أهم حكم من الأحكام الإلهية، وله أسبقية على كل الأحكام الإلهية الثانوية). وأضاف قائلاً: (لو حددت سلطات الدولة الإسلامية داخل إطار الأحكام الإلهية الثانوية فإن شكل الحكم الإلهي والسيادة المطلقة التي أنيبت إلى الرسول سيكون ظاهرة جوفاء لا معنى لها) . فهذا هو مبرر التعويل على المصلحة الواقعية .
فاستطاع الخميني ترجيح المصلحة على النص بنظرية ( نائب الإمام ) والتي تعطيه صلاحيات واسعه بنسخ الأحكام وتعديلها.
فهم بزعمهم يقولون أن أي إمام من الأئمة الإثنا عشر له الصلاحيات الكاملة في نسخ تشريع من سبقة منالأئمة بمن فيهم رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وبما أن الخميني ينوب عن الإمام فيستطيع نسخ تشريع ما قبله حتى ظهور الإمام الـثاني عشر والذي يقوم هو بدور الناسخ لجميع من سبقه.
بهذا يتبين مدى الاتفاق الذي يجمع بين الطوفي والخميني، وهو ما انفردا به من ترجيح المصلحة على النص عند تعارضه معها في زعمهما أي انهما أجازا تغيير حكم النص بهذه المصلحة المتوهمة.
8- واجه فقهاء السلطان المنتسبين إلى السنة مثل هذه الأمور فقد ظهرت مستجدات غربية فرضت نفسها على بلادهم بفعل الغزو الصليبي وأعوانه فأضحت مقالة الطوفي التي رفضها أسلافهم في القرن السابع الهجري تكأة لكل من ضاق ذرعا بالنصوص وأراد تمرير فتوى أو تبرير سياسة لحاكم يريدون بذلك نسخ أحكاما لا توافق هواهم وهوى أسيادهم بمصالح مرسلة مزعومة!

 

 

8-أيضاً صارت مقالة الطوفي محل اعتبار الدول الاسلامية في القرن الثالث عشر الهجري بما فيها المملكة السعودية فيذكر ديوان المظالم هناك الوظيفة العامة في حكمه رقم 7/ ت لعام 1400 هـ بالآتي : ( الوظيفة العامة – تكييفها- الوظيفة ولاية معينة غايتها الصالح العام – بيان ذلك : إن ولي الأمر حين يسند ولاية معينة إلى موظف ما فإنه يستهدف من وراء ذلك تحقيق الصالح العام، ومن ثم وجب على الموظف وهو يباشر أعمال وظيفته أن يتوخى العناية والحرص في أدائها تحقيقاً للمصلحة العامة والعمل على كل ما من شأنه عدم الأضرار بتلك المصلحة التي هي هدف الوظيفة وغاية كل عمل عام ….(
فالتعبير واضح جداً أن المصلحة هي هدف الوظيفة العامة وغاية كل عمل عام .
قد لا يكفي هذا في نظرك لإثبات تبنيهم نظرية الطوفي….اقرأ التالي:
– بين ديوان المظالم أساس صدور القرارات الإدارية برمتها – في حكمه رقم 121/ت/3 – 1412هـ بالمبدأ التالي : ( رفض الدعوى المقدمة من المدعى بالمطالبة بإلغاء قرار البلدية المدعى عليها … على أساس أن قرارات الإدارة تصدر بقصد تحقيق الصالح العام وتسيير المرافق العامة….)
لم يقل (…بقصد تطبيق الشريعة الاسلامية(
– في حكم لديوان المظالم برقم 32/ ت لعام 1399 هـ يقول : ( …. فقد غاب عن الوزارة المدعي عليها أن ديوان المظالم حين يتصدى للفصل في المنازعات التي تثور بين جهات الإدارة المختلفةوالأفراد – كما هو الحال في الخصوصية المعروضة – إنما يفصل فيها ليس باعتباره قاضياً عادياً وإنما باعتباره قاضياً إدارياً مهمته الفصل فيما ينشأ من منازعات إدارية بين الإدارة والأفراد، ومهمة القضاء الإداري ليست سهلة ميسورة فهو بحسب طبيعة اختصاصاته يفصل في نزاع بين طرفين ليسا علي حد سواء من حيث تساوي المصالح فأحد طرفي المنازعة وهي الإدارة تمثل المصلحة العامة والطرف الآخر فيها هو الفرد من الناس يمثل المصلحة الخاصة . والتوفيق بين سلطة الإدارة وما تمليه المصلحة العامة التي تقوم عليها المنازعة الإدارية وبين مصالح الأفراد الخاصة يحتاج إلى دراية وخبرة موفورة ونظرة ثاقبة ويعتبر علي درجة كبيرة من الدقة والحساسية وهو من الأساسيات لحماية المجتمع من العسف والانحراف وتحقيق الاستقرار والطمأنينة ويتوقف نجاح القضاء الإداري في مهمته الدقيقة المنوط به علي حكمته ودرايته بمستلزمات حسن الإدارة وتوفير الانسجام والتناسق بين السلطة العامة ورعاية حقوق الأفراد ومراكزهم القانونية أو النظامية) …………… فالحديث في هذا الحكم ومثله يدور برمته عن مصالح لا غيرها ، عامة أو خاصة ، ولم يقل أن الهدف من الحكم تطبيق الشريعة الإسلامية
ــ بحكم ان نظريات العمل الحكومي برمته من صناعة الفقه والقضاء الفرنسيين – فانه حتى حالات اجتهاد ديوان المظالم السعودى – عندما يعرض عليه حالة من حالات أعمال الدولة ، لم يتقرر حكمها بنص في نظام ، فان ديوان المظالم – لا يذهب للاجتهاد بحكم من الفقه الإسلامي ، إنما يذهب للفقه الإداري الفرنسي !
فقد ساد هذا الفقه أعمال كل دول العالم بأسرها ،وأصبح الفقه الوحيد الذي يحكم أعمال الدولة الإدارية برمتها – في العالم المعاصر ،وفي هذا الصدد حكم ديوان المظالم في حكمه رقم 4/د/2 لعام 1400هـ ما يلي :
إن المقرر بادئ الرأي أن القضاء الإداري قضاء إنشائي بمعنى أنه يبتدع الحلول الملائمة للأوضاع الإدارية عند غياب الحكم النظامي ، ولا محاجة في أن هذا موجب للاجتهاد ،ولا محاجة أيضاً في أن من أسباب الاجتهاد الاستهداء بالحلول والمبادئ المقررة في أنظمة القضاء الإداري في البلاد الأخرى التي أخذت بهذا النظام ، وأولها نظام القضاء الإداري الفرنسي،وعنه أخذ نظام القضاء الإداري المصري، ومن قبله في بلجيكا، ونقلته أيضاً اليونان وتركيا ولبنان . وقد اطرد الفقه والقضاء الإداريين في هذه البلاد جميعاً على أن يستهدي ببعضه البعض وأن يعتبره مرجعاً له،فلا غرابة والحال كذلك – عند غياب الحكم النظامي – من الاستهداء بالحلول المتبعة في أنظمة القضاء الإداري الأخرى ولاجدال في أن الحالة المعروضة هي حالة مدى جواز توقيع غرامة التأخير عند استغناء الجهة الإدارية المتعاقدة عن العملية موضوع التعاقد وعدم إتمامها ، ولا جدال أيضاً في أن نظام المناقصات والمزايدات الواجب التطبيق على الحالة المعروضة ” وكذلك نظام تأمين مشتريات الحكومة ولائحته التنفيذية ” لم يتضمن نصاً يبين النظام الواجب الإتباع في مثل هذه الحالة لندرتها في العمل ،فلا محيص والحال كذلك من الاجتهاد في بيان حكمها، ومنه الاستهداء بالحلول المتبعة في نظام قضاء إداري آخر ) تأمل…ولا حول ولا قوة إلا بالله(

 

 

 

ردود أخرى من علماء معاصرين نقلتها من الشبكة :
ضوابط الفتوى في ضوء الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح
إعداد الدكتور
عبد الوهاب بن لطف الديليمي
وقد ظهر من ينادي بتقديم المصلحة مطلقاً حتى على النص والإجماع عند معارضتها لهما، وقد تولى أهل العلم الرد على مزاعمه، وبيان تهافتها وبطلانها، ويحسن هنا أن أنقل نص عبارة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية) في الرد على الطوفي (1) الذي كان أول من نادي بذلك، حيث يقول: “فهذا الإجماع الذي بدأ منذ عصر الصحابة، لم يزل ساري المفعول لدى مختلف طبقات الأئمة والعلماء على اختلاف آرائهم واجتهاداتهم، إلى أوائل النصف الثاني من القرن السابع الهجري، حيث ظهر في هذه الفترة رجل من علماء الحنابلة اسمه سليمان بن عبد القوي الطوفي … وما لبث أن نادى في بعض مؤلفاته بضرورة تقديم المصلحة مطلقاً على النص والإجماع عند معارضتها لهما.
فقد ألف كتاباً في شرح الأربعين حديثاً، وأفاض في الكلام عند شرحه لحديث (( لا ضرر ولا ضرار )) وبعد أن بين فيه أن يقتضي رعاية المصالح إثباتاً، والمفاسد نفياً، وجعل أدلة الشرع في حسابه تسعة عشر دليلاً، قال ما نصه:
“وهذه الأدلة التسعة عشرة أقواها النص والإجماع ، ثم هما إما أن يوافقا رعاية المصلحة أو يخالفاها، فإن وافقاها فبها ونعمت ولا نزاع، وإن خالفاها وجب تقديم رعاية المصلحة عليهما بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما “.
وعمدة دليله على كلامه هذا، اعتباره المصلحة دليلاً أقوى من كل من النص والإجماع، فهو يقول: إن رعاية المصلحة أقوى من الإجماع، ويلزم من ذلك أنها أقوى أدلة الشرع، لأن الأقوى من الأقوى أقوى.
وجعل عمدة دليله على أن المصلحة مقدمة في الرعاية على النص والإجماع أمرين:
أحدهما: أن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح، فهي إذًا محل وفاق، والإجماع محل خلاف، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه.
ثانيهما: أن النصوص مختلفة متعارضة، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذمومة شرعاً، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف فيه، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً، فكان اتباعه أولى.
مناقشة هذه الأوهام وردها:
وقبل أن نرد على ما تخيله من أدلة لزعمه هذا، ينبغي أن نشير للقارئ إلى ما وقع فيه هذا الرجل من تناقض عجيب، وهو يقرر أدلته هذه.
فلقد بدأ فساق كل الأدلة الشرعية التي قيل بها والتي أحصاها في تسعة عشر دليلاً، سواء منها ما كان متفقاً عليه، وما كان مختلفاً فيه، و ذكر منهم المصالح المرسلة، ثم اعترف بأن النص والإجماع هما أقوى هذه الأدلة كلها، ولكنه مع ذلك عاد فقال في معرض استدلاله على وجوب تقديم المصلحة عليهما: إن رعاية المصلحة مقدمة على الإجماع، وإذًا فهي أقوى أدلة الشرع كلها، أفيكون تناقض أبلغ من هذا وأوضح؟‍!
وأيضاً فقد ذكر عن تحليل لفظ حديث (( لا ضرر ولا ضرار )) . . . ما نصه : “ثم المعنى لا لحقوق ضرر شرعاً إلا بموجب خاص مخصص “.
“وعاد فأكد هذا الكلام بعد ذلك، فقال: إن النص والإجماع إما أن لا يقتضيا ضرراً ولا مفسدة بالكلية، أو يقتضيا ذلك، فإن لم يقتضيا شيئاً من ذلك فهما موافقان لرعاية المصلحة، وإن اقتضيا ضرراً فإما أن يكون الضرر مجموع مدلوليهما أو بعضه، فإن كان مجموع مدلوليهما، فلا بد أن يكون من قبيل ما استثنى من قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار )) (1) ، وذلك كالحدود والعقوبات على الجنايات ، وإن كان الضرر بعض مدلوليهما، فإن اقتضاه دليل خاص اتبع الدليل، وإن لم يقتضه دليل خاص وجب تخصيصهما بقوله عليه الصلاة والسلام: (( لا ضرر ولا ضرار )) جمعاً بين الأدلة “.
“فماذا عسى أن يكون الموجب الخاص المخصص في كلامه الأول، أو الدليل الخاص المقتضى للضرر في كلامه الثاني غير نص الكتاب أو السنة أو الإجماع المترتب على أحدهما “؟
“وما دام كذلك فكيف تكون المصلحة مع ذلك أقوى اعتباراً من النص والإجماع”؟
“إما أن المصلحة أقوى اعتباراً من النص والإجماع كما يقول، فلا معنى إذًا لتحكم أحدهما في استثناء بعض صور المصالح عن الاعتبار، سواء كان الضرر كل مدلوله أو بعض مدلوله، وسواء أكد هذا البعض دليل خاص آخر أم لا، لا فرق بين كل هذه التنويعات المتكلفة ما دام أصل دلالتها آتياً من النص أو الإجماع، وما دامت المصلحة في ذاتها أقوى منهما في ذاتهما “.
“وإما أن النص والإجماع أقوى اعتبارا من محض ما يسمى مصلحة، وعلى ذلك يأتي الموجب الخاص فيخصص عموم حديث (( لا ضرر ولا ضرار )) كما قال: فما معنى التفريق إذا بين نص كان الضرر كل مدلوله ، ونص آخر كان الضرر بعض مدلوله، ما دام الدال على كلٍّ نصًّا، وما دام النص أقوى من المصلحة المتوهمة؟ وما معنى القول بترجيح هذا المتوهم على النصوص والإجماع ….؟
“فهاتان الصورتان من التناقض الصارخ في كلامه، كافيان لإسبال حجاب الإهمال على مجموع أدلته وبراهينه التي ساقها على دعواه “.
ومع ذلك فللنناقش أدلته، وإن كانت واضحة البطلان خشية أن يفتن بها الذين يلتمسوا السبيل في هذه الأيام إلى مثل دعواه.
“فنقول أولاً: إن الأساس الذي بنى عليه زعمه هذا، أساس محال غير متصور الوقوع، ألا وهو فرض كون المصلحة مخالفة للنص أو الإجماع “.
“والعجيب أنه هو بنفسه مهد لبيان كونه محالاً دون أن يشعر … إذ أنه ساق البراهين على أن كتاب الله إنما جاء متضمناً لمصالح الخلق، واستخرجها واحدة بعد أخرى من قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ يونس: 57 ].
“وبدهي أن كتاب الله تعالى إنما يكون متضمناً للرحمة بالعباد والرعاية لمصالحهم، إذا كانت نصوص متفقة مع هذه المصالح، وإذًا فمن المحال أن نجد آية فيه تدعو إلى ما يخالف المصلحة الحقيقية، والذي يتراءى منذلك لأول وهلة، إنما هو بتأثير الشهوات والأهواء وقصور معظم العقول عن إدراك كنه المصالح الحقيقية، ومن ثم فمن العبث الشنيع أن يفكر الإنسان بالمخرج والحل عن ذلك “.
“وإذا تصورنا المحال وفرضنا أن نجد في نصوص الكتاب – والسنة – مثله – ما يخالف المصلحة، فقد سقط إذًا البرهان الذي بنى عليه الطوفي دعواه من أن الشريعة لم تأتِ إلا لرعاية مصالح العباد، إذ تصبح النصوص – على هذا الفرض – أعم من أن تلتزم بمقتضى المصالح، وبذلك يغدو ميزان المصالح، قاصراً على درك أحكام الشريعة “.
“فالنتيجة، أن ما فرضه الطوفي من إمكان مخالفة المصالح للنص أو الإجماع ، إما أن يكون فرضاً ممكناً أو محالاً، وهو في كلا الحالتين دليل واضح على عكس دعواه “.
قد يقول قائل: “ولكن الطوفي إذ يقدم المصلحة على النص أو الإجماع، يحاول أن يسلك إلى ذلك طريق التخصيص لأحدهما لا هدره وإلغاءه … كما قد يتوهم ذلك أي فالنص يكون مراعيا لتلك المصلحة في الحقيقة لا معارضاً لها “.
فالجواب: “إما أن يتخصص الإجماع بمخصص من مصلحة أو غيرها. . فهذا ما لم يسمع ولم يقل به أحد؛ إذ الإجماع بعد ثبوته دليل قطعي من كل نواحيه، فمن أين ينفذ التخصيص إليه …؟ وإما أن يتخصص النص بالمصلحة “أي بما يقال إنه مصلحة “فهذا أيضاً ما لا يمكن أن يتصور، وإلا لانهار الفرق – على جلائه – بين التخصيص والنسخ، ولأمكن لأي يد أن تشطب على جملة شريعة الله بدعوى التخصيص”.
“ومعلوم أن من أبرز مظاهر الفرق بين التخصيص والنسخ، أن التخصيص إخراج جزء من المدلول لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه الدلالة عليه، على حين أن النسخ إبطال ما أراده المتكلم، وأن التخصيص إخراج جزء فقط من المخصص على حين أن النسخ يمكن أن يكون إبطالاً للكل “.
“والطوفي إنما يدعو إلى تقديم المصلحة على جملة مدلول النص عند معارضتهما، فكيف ينطبق معنى التخصيص على ذلك ؟ وعلى فرض أن المصلحة عارضت جزءاً من مدلول النص، فمن أين له أنها مصلحة حقيقية وأن الشارع لم يرد بالنص الدلالة على الحكم المخالف لها؟ وماذا يقول في قرون متطاولة من قبله أخذ أهلها – مثلاً – بكل مدلوله، ولم يفهموا إلا أن المصلحة هي ما تضمنته جملته؟ ثم إن الرعيل الأول من المسلمين، وهم الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم، لم يتركوا لبساً في مدلولات النصوص القابلة للتخصيص – بما وصل إلينا من أفعالهم وعلومهم وأقوالهم – فما سكتوا عن تخصيصه، وعبدوا الله بالتمسك بمجموع دلالته، فهو غير قابل للتخصيص بعد ذلك، وإلا للزم من ذلك جهل الصحابة بمدلولات النصوص والقدر المراد منها، أو نسخ ما ثبت حكمه واستقرت على الناس تبعته، ونعوذ بالله من الوقوع في أي الضلالين “.
“ثانيا: إن اعتبار المصلحة أقوى من الإجماع والنص، فرع لاعتبارها مستقلا عنهما، كما هو واضح، وقد ذكرنا في تمهيد هذا الباب: أن رعاية المصلحة مجردة ليست في حقيقتها دليلا مستقلا عن النص حتى يمكن اعتبارها قسيما له، وإنما هي معنى كلي استخلص من تتبع جزئيات الأحكام القائمة في أساسها على النصوص، والكلي لا يوجد إلا في جزئياته – كما هو معروف – وإلا لم يكن كليًّا لها، ولذا فقد كان لا بد لاعتبار حقيقة المصلحة في أمر ما من أن يدعمه دليل من الأدلة الشرعية التفصيلية القائمة في أساسها على النصوص أو أن لا يوجد ما يخالفها من ذلك على الأقل “.
“فكيف يصح بعد ذلك أن تكون المصلحة قسيما، بل وندا للنص والإجماع يشطب بها عليهما حيثما قضى بذلك الوهم والخيال “..؟
“ثالثا: وفي استدلال الطوفي على كون المصلحة أقوى من الإجماع، أبرز صورة للمغالطة التي تشبه أن تكون مقصودة، إذ هي من الوضوح بحيث لا يجهلها من مارس كتب العلم والاطلاع عليها مهما قلَّت بضاعته منها “.
فقد استدل على كونها أقوى من الإجماع بقوله: “إن منكرى الإجماع قالوا ؛ برعاية المصالح، فهى إذا محل وفاق. . والإجماع محل خلاف.
“فإذا كان يريد بذلك، أن منكري الإجماع قالوا كغيرهم بأن نصوص الشريعة قائمة على أساس المصالح، فهذا صحيح، ولكن ما علاقة هذا بدعواه؟ وهل يلزم من الاتفاق على كون الشريعة قائمة على أساس المصالح. . الاتفاق على تقديم ما توهم أنه مصلحة على الإجماع أو النصوص”؟
“إن من الوضوح بمكان أن إجماعهم الذي يشير إليه يدعوهم إلى الحذر من الوقوع في هذا الضلال، فضلا عن أن يتفقوا على الوقوع فيه “.
“وإذا كان يريد بذلك أن منكري الإجماع، قالوا بمثل رأيه في شأن المصالح، فهذا كذب وافتراء، وما من أحد من المسلمين قبله خطر له أن يقول بمثل ما أتى به ؛ سواء منهم جماهيرهم القائلون بالإجماع ، والقلة الذين لم يقولوا به “.
“ثم تأمل كيف نسي نفسه، وهو يقلل من أهمية الإجماع في جنب المصلحة المجردة، فراح يستدل على ذلك نفسه بالإجماع. . ! فأصبح معنى كلامه : الإجماع أضعف من رعاية المصلحة ، لأن رعاية المصلحة مجمع عليها ، والإجماع غير مجمع عليه .. !! وهل يقول هذا الكلام عاقل “. . ؟
“رابعا: وفي استدلاله على كون المصلحة مقدمة على النص، مغالطة أكبر وأشنع. . إذ استدل على ذلك، كما ذكرنا، بأن النصوص مختلفة متعارضة، ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه لا يختلف. .
فكيف تكون نصوص الشريعة مختلفة متعارضة، وهي آتية من عند الله عز وجل “؟
“ولو كانت مختلفة متعارضة كما يقول، لكان ذلك أكبر دليل على أنها من عند غيره سبحانه وتعالى، ولذا نبَّه الله عباده إلى أن تناسق القرآن وتوافق نصوصه وآياته، أكبر دليل على أنه من عند الله عز وجل ” (1) .

“ولقد استدل الطوفي على هذا الزعم العجيب بالخلاف الذي وقع بين الأئمة والفقهاء بسبب النصوص، ولست أدري كيف يتصور عاقل من الناس ضرورة الصلة بين هذا الدليل وذلك الزعم، فالخلاف الذي وقع بين الأئمة في الفروع، إنما هو خلاف في فهم النصوص والوصول إلى حقيقة مدلولاتها، لتفاوت الأفهام فيما بينهم، لا خلاف بين النصوص في ذاتها ؛ وهذا الخلاف أمر متصور الوقوع في الاجتهاد ، ومعلوم أن اختلاف المذاهب في الاجتهاد لا يعني بحال اختلاف النصوص في مدلولاتها، ولكنه يعني أن واحدا غير معين، قد وافق الحقيقة وأخطأها الآخرون، وقد رفعت الشريعة عنهم تبعة هذا الخطأ على لسان النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: (( إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد )) (1) .
“ذلك أن الله لم يلزم أهل العلم بأكثر من بذل الجهد للوقوف على ما اشتبه عليهم من الأحكام، وهو في ذاته نوع من العبادة، تعبدهم الله به لحكمه. . . . “.
“وإذا تأملت في كلامه، وجدت أنه إنما يقصد بالنصوص حقيقتها لا الفهم لها. . إذ هو يقول عن المصلحة في مقابلها: “ورعاية المصالح أمر حقيقي في نفسه ” ، فهو إذاً إنما يقابل ذات النصوص بذات المصالح ، ثم يفوه بما لا يقول به مسلم من أن النصوص متعارضة متخالفة في نفسها “. .
“هذا عن مغالطته فيما وصف به نصوص الشريعة “. .
“أما مغالطته فيما قال عن المصلحة فكامنة في أنه بنى وهمه هذا على مقدمتين لا رابطة بينهما، ولا حد متكررا فيهما، إذ هو ينظر أولا إلى جزئيات المصالح المتصورة في الخارج، ومعظمها جزئيات اعتبارية مختلف فيها “.
“فيقول: “هذه مصالح “. . ثم ينظر إلى الجنس المعنوي لها – وهو كلي منفق على رعايته في جميع الأذهان – فيقول: والمصلحة رعايتها حقيقة مجمع عليها. . ثم يزهي بالنتيجة المغلوطة قائلا: فرعاية المصالح – أي الجزئية – أمر حقيقي مجمع عليه “.
“فهذا القياس الملفق هذا التلفيق، يشبه ما يذكره المناطقة مثالا على السفسطة، وهو أن يشير الإنسان إلى صورة فرس على الجدار فيقول: هذا فرس، ثم يشير إلى جنس الفرس القائم في الذهن فيقول : وكل فرس صاهل، ثم يأتي بمثل نتيجة الطوفي فيقول عن الصورة: فهذا صاهل فرس ” (2) .
“ولا ريب أن التخالف بين جزئيات المصالح المختلف فيها بين الناس، وحقيقتها القائمة في الذهن، ليس أقل من التخالف بين صورة الفرس على الورق وحقيقته الماثلة في العقل “.
“فالحقيقة الذهنية للمصلحة، حقيقة متفق على رعايتها كما قال، ولكن ليست هي التي يقع بها التعارض مع النص، على فرض صحة وقوعه، وإنما يكون التعارض بما يوجد من صور جزئية لها في الخارج “.
“وهذه الصور الجزئية، هي شيء غير الحقيقة الذهنية المجردة، وهى ليست أمورًا متفقا عليها بحال من الأحوال، لأن هذه الصور إنما يصار إليها عن طريق تحقيق المناط، فكل أمر أنيط بتحقيقه نفع ما فهو مصلحة، ومعظم المنافع كما قلنا في صدر هذا الكتاب أمور اعتبارية تختلف حسب اختلاف المشاعر والعادات والأخلاق. . ولقد رأينا كيف أن علماء الأخلاق – وقد أجمعوا على تقديس المصلحة – لم يتمكنوا أن يصيروا إلى أي اتفاق على مسمياتها الجزئية، حينما حكموا في ذلك عقولهم وحدها، بل ولم تتمكن عقولهم من الاستقلال بالنظر والحكم، إذ سرعان ما يغلب عليهم وحي الشهوات والأهواء ومقاصد الأنانية والأثرة، وليته قد تخلف به الزمان حتى رأى عصرنا الحاضر وتعقد مسائله، وحيرة أهله وتضارب آرائهم وتباين مذاهبهم، إذًا لوجد أن المصلحة التي سماها حقيقة لا تختلف ليست إلا سرابا قد ضل سعي الناس وراءه. . . . “.
“من أجل هذا جاءت نصوص الشريعة، مفتاحا لما استغلق على الناس فهمه، وهداية إلى الحق الذي التبس عليهم أمره، إذ الخالق أدرى حيث تكمن مصلحة عباده وحيث تكمن مضارهم. . ومن هنا كانت المصلحة الحقيقة ما عرفت بهدي النصوص أو توابعها، ولا عبرة بمن قد يحسبها مفسدة، وكان كل ما خالفها مفسدة، ولا عبرة بوهم من ظنها مصلحة “
وصدق الله القائل في محكم كتابه: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [البقرة: 216] ” (1) .
وهناك أمر آخر مهم. . غير ما أورده صاحب (ضوابط المصلحة) وهو أن الأخذ بالرأي الذي جنح إليه الطوفي، لا يمكن أن ينحصر في ضوابط معينة، إذ يصير من حق كل صاحب شهوة وهو أن يدعي المصلحة في أمر ما، دون التفات إلى نصوص الشرع، ولا إلى الإجماع ، وحينئذ يصبح الخضوع للهوى والشهوة، لا لأحكام الشرع.
والنصوص الشرعية قد جاءت من أجل تحقيق المصالح، ودرء المفاسد، على وجه لا يتطرق إليه الاختلال، ومن ادَّعى تعارضها مع المصلحة، فقد ادَّعى عدم اطرادها، وإمكان اختلالها وتخلفها عما وضعت له، وفي ذلك يقول الشاطبي (2) :
“فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها، أو تختل أحكامها، لم يكن التشريع موضوعا لها (3) . . إذ ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد، لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد، لكن الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق، فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديا، وكليا، وعاما في جميع أنواع التكليف والمكلفين، وجميع الأحوال. . . “.
__________
(1) ضوابط المصلحة ص 202 – 215 ؛ وانظر نص رسالة الطوفي، ضمن كتاب (مصادر التشريع الإسلامى فيما لا نص فيه) لعبد الوهاب خلاف، ص 105 – 144.
(2) الموافقات: 2 / 37 – 40.
(3) أى للمصلحة.

“والمصالح المجتلبة شرعا، والمفاسد المستدفعة، إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية، والدليل على ذلك أمور “:
أحدها: أن الشريعة إنما جاءت لتخرج المكلفين عن دواعي أهوائهم، حتى يكونوا عبادا لله، وهذا المعنى إذا ثبت، لا يجتمع مع فرض أن يكون وضع الشريعة على وفق أهواء النفوس، وطلب منافعها العاجلة كيف كانت، وقد قال ربنا سبحانه: { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } [المؤمنون: 71].
“الثانى: أن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة، كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع، ومع ذلك فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا، لا من حيث أهواء النفوس “
“الثالث: أن المنافع والمضار، عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية: أنها منافع أو مضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص، أو وقت دون وقت، فالأكل والشرب – مثلا – منفعة للإنسان ظاهرة، ولكن عند وجود داعية الأكل، وكون المتناول لذيذا طيبا، لا كريها ولا مرا. . وكونه لا يولد ضررا عاجلا ولا آجلا، وجهة اكتسابه لا يلحقه به ضرر عاجل ولا آجل “.
“الرابع: أن الأغراض في الأمر الواحد تختلف، بحيث إذا نفذ غرض بعض وهو منتفع به تضرر آخر لمخالفة غرضه، فحصول الاختلاف في الأكثر، يمنع من أن يكون وضع الشريعة على وفق الأغراض، وإنما يستتب أمرها بوضعها على وفق المصالح مطلقا، وافقت الأغراض أو خالفتها “.
وهناك أمر آخر غير ما تقدم، وهو أن من يدعي تقديم المصلحة على النص، سيؤدي ذلك إلى مفاسد عظيمة، لأن الناس – عند عدم الرجوع إلى الضابط الشرعي للمصلحة والمفسدة – تتباين رغباتهم وأهواؤهم وتتصادم مصالحهم، ويطلب كل شخص من المصالح المطابقة لهواه، ما يؤدي إلى مفاسد كبيرة على غيره، وهناك تحدث فتن عظيمة بين الناس ، وفي ذلك يقول الشاطبي (1) .
“إنه قد علم بالتجارب والعادات، أن المصالح الدينية والدنيوية، لا تحصل مع الاسترسال في اتباع الهوى، والمشي مع الأغراض، لما يلزم من ذلك من التهارج والتقاتل والهلاك، الذي هو مضاد لتلك المصالح “.
ومن هنا يتبين أن الاستصلاح أو ( المصالح المرسلة ) من الأدلة التي يستند إليها عند عدم وجود دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، والمراد بالمصالح المرسلة:
“كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع، دون أن يكون لها أو لجنسها القريب شاهد بالاعتبار أو الإلغاء ” (2) ، ولا يعني ذلك عدم وجود أى دليل تستند إليه، وإلا لما أمكن للمجتهد أن يجعلها دليلاً على حكم من أحكام الشريعة بحال، إذًا “فالمصالح المرسلة لابد أن تستند إلى دليل ما قد اعتبره الشارع، غير أنه لا يتناول أعيان هذه المصالح بخصوصها، وإنما يتناول بالجنس البعيد لها: كجنس حفظ الدين، والأرواح، والعقول، والأنساب، أي فهو قاصر عن دليل القياس الذي يتناول عين الوصف المناسب بواسطة النص عليه، كما في الوصف المؤثر أو بواسطة جريان حكم الشارع على وفقه كما في الملائم ” (3) .
__________
(1) الموافقات: 2/ 170، مع شىء من التصرف.
(2) ضوابط المصلحة، ص 330.

(3) ضوابط المصلحة، ص 217

يقول صاحب كتاب الوقت وأهميته في حياة المسلم – (ج 2 / ص 92)
هذا مجمل ما عند الطوفي من أدلة على رأيه ، ولكن تحليل هذه الأدلة بكل روية وتمعن يظهر فيها ضعفا وتناقضا لا يخطئه منله أدني إدراك بالأدلة وطرق مناقشتها .
1- فمما لا يختلف فيه اثنان أن النصوص دلت عموما وتفصيلا أن أحكام الشريعة غايتها المصلحة ، ولكن هذا دليل إثبات أنه حيثما وجد النص فثم المصلحة ، والله أراد من النصوص اليسر ولم يرد بها العسر ، وكل نصوصالدين ما جعل الله فيها من حرج وهي سمحة سهلة ، فكل أدلة الطوفي في أن المصلحةواليسر ورفع الحرج هي مقصود الشارع ، فهي دليل علي ضرورة التزام النص وتقديمه ،لأنه الذي يحقق المصلحة في كل الظروف .
2- وحديث لا ضرر ولا ضرار هو أحد الأدلةأيضا علي أن كل نصوص الشرع لا ضرر فيها ، وأن المصلحة متحققة منها دائما ، إذ كيفيقرر الرسول أنه لا ضرر وتكون بعض النصوص التي جاء بها سببا في الضرر . إن من يظنوقوع الضرر من تطبيق النص يقع في تناقض بين .
3- والاختلاف في تقدير المصلحة أمرواقع ، وهو اختلاف كبير واسع ، فالمصلحة ليست أمرا منضبطا يتفق عليه الناس وإلا لوكان الأمر كذلك لا تفق الناس في شرائعهم ونظمهم وطرق حياتهم وكل هذا ينقض ما قالهالطوفي من أن المصلحة أمر حقيقي متفق عليه .
4- والطوفي في عبارته عن تقديمالمصلحة علي الإجماع متناقض جدا ، فهو يقول أن المصلحة متفق عليها والإجماع مختلفحوله ، فتقدم المصلحة لأنها متفق عليها ( فأصبح معني كلامه : الإجماع أضعف من رعايةالمصلحة لأن رعاية المصلحة مجمع عليها والإجماع غير مجمع عليه )[6] .
5- ومنالملاحظ أن الطوفي لم يأت بمثال واحد يرينا فيه كيف أن المصلحة عارضت النص وكيفتقدم عليها ، حتى نستيقن مما يقول ، وما ذلك إلا لأنه لم يجد مطلقا بعد طولالاستقراء والبحث حالة واحدة تعارض فيها المصلحة النص لأن ذلك التعارض أمرمتوهم[7]
ولضعف أدلة الطوفي وشناعة رأيه حمل عليه كثير من المعاصرين حملة قوية…
ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف : ( .. وإن الطوفي الذي يحتج بالمصلحةالمرسلة إطلاقا فيما لا نص فيه وفيما فيه نص، فتح بابا للقضاء علي النصوص وجعل حكمالنص أو الإجماع عرضة للنسخ بالرأي، لأن اعتبار المصلحة ما هو إلا مجرد رأي وتقدير،وربما قدر العقل مصلحة وبالروية والبحث يقدرها مفسدة. فتعريض النصوص لنسخ أحكامهابالآراء وتقدير العقول خطر علي الشرائع وعلي كل القوانين )[9] .

[6] أنظر ( ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ) – محمد سعيد رمضان البوطي ص 212
[7] أنظر ( ابن حنبل ) لأبو زهرة ص 359

[9] مصادر التشريعالإسلامي فيما لا نص فيه – عبد الوهاب خلاف – ص 101

 

أصول الفقهبين الثبات والتجديد1/2
ورقة ا.د. يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين
أستاذ أصولالفقه بقسم الدراسات العليا
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميةبالرياض:
8/1/1423

– وفي نهاية القرن السادس الهجري طرح سليمان بنعبدالقوي نجم الدين الطوفي المتوفى سنة 716هـ ، رأياً متطرفاً وشاذاً وفق المقاييسالأصولية ، في المصلحة . هو لم يؤلف كتاباً في المصلحة يذكر فيه رأيه ، ولكنه أوردرأيه في شرحه الحديث الثاني والثلاثين من الأحاديث الأربعين النووية ، وهو قوله :صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضِرار ) . ولم يشر علماء الأصول الذين عاصروه أوجاؤا بعده ، إلى رأيه هذا ، فيما أطلعت عليه من كتبهم . وقد طبع شرحه للأربعينالنووية كاملاً باسم ( التعيين في شرح الأربعين ) في السنوات الأخيرة. وهو وإن لميتكلم عن المصلحة في بعض كتبه كشرحه لمختصر الروضة ، لكنه لم يخرج في ذلك عن رأيالجمهور فيها ، مع نقده تقسيماتهم المصلحة إلى ضرورية وغير ضرورية ، وعدّه ذلكتعسفاً وتكلفاً ، وإنما كان رأيه الخاص والمخالف لرأي جمهور العلماء هو ما أورده فيشرحه لحديث ( لا ضرر ولا ضِرار ) ، الذي تكلم في شرحه على المصلحة مطلقاً، لاالمصلحة المرسلة . وقد عرّف المصلحة ، بحسب العرف ، بأنها السبب المؤدي إلى الصلاحوالنفع ، كالتجارة المؤدية إلى الربح ، وبحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصودالشارع عبادة أو عادة (7) .
وبعد أن أقام الأدلة على حجية المصلحة من نصوصالشارع ، ذكر أن رعايتها مقدمة على النصوص والإجماع ، مستدلاً على ذلك بوجوه ، منها :
أ – ( إن منكري الإجماع قالوا برعاية المصالح ، فهو إذاً محل وفاق ، والإجماعمحل خلاف ، والتمسك بما اتفق عليه أولى من التمسك بما اختلف فيه .
ب- إن النصوصمختلفة متعارضة ، فهي سبب الخلاف في الأحكام المذموم شرعاً ، ورعاية المصالح أمر (حقيقي في نفسه ، ولا يُخْتَلَفْ فيه ، فهو سبب الاتفاق المطلوب شرعاً ، فكاناتباعه أولى ) (8) .

لكنه يقصر ذلك التقديم على جانب المعاملات والعاداتوشبهها ، وأما في العبادات والمقدرات ونحوها ، فالمعتبر فيها النصوص والإجماعونحوهما من الأدلة (9) .
والمصلحة عنده عامة هي مصلحة الناس ، وما يتراءى لهمأنه ذو منفعة . وليس المقصود في ذلك المصالح المرسلة التي يقول بها الإمام مالك . ونجد من المناسب أن نذكر خلاصة لهذا الاعتبار من عبارات الطوفي نفسه . قال : ( ولايقال إن الشرع أعلم بمصالحهم فيؤخذ من أدلته ، لأنّا نقول: قد قدرنا أن رعايةالمصلحة في أدلة الشرع ، وهي أقواها وأخصها فلنقدمها في تحصيل المصالح . ثم إن هذايقال في العبادات التي تخفى مصالحها على مجاري العقول والعادات ، أما مصلحة سياسةالمكلفين في حقوقهم فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل ، فإنا رأينا دليل الشرعمتقاعداً عن إفادتها ، علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها ، كما أن النصوصلما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أنّا أحلنا بتمامها على القياس ، وهو إلحاق المسكوتعنه بالمنصوص عليه بجامع بينهما )((10) .
فالأمور السابقة : الإجماع ،والاستصحاب البديل عن القياس الأصولي المعروف ، والقياس الواسع ، والمصلحة . والسنةكانت مما يدخل في مجال أصول الفقه ، لأنها تتناول الأدلة ، سواء كان بإنكارها ، أوبتوسيع نطاقها ، ولكنها لم يكن ينظر إليها على أنها تجديد ، بل كانت تذكر على أنهاآراء شاذة ، باستثناء أفكار الطوفي في المصلحة التي لم نجد لها ذكراً في كلامالمتقدمين.

قال الشيخ عبد الله الغديان فيما نقله عنه بعض تلاميذه :
الثاني:ايضاح انه لا توجد مصلحة تعارض الشرع ولا مفسدة اوردها الشرع مع التعرض للرد على شبهة من يقول بتقديم المصلحة على النص

تحرير رأيه: يقول: ان ادلة التشريع وعددها تسعة عشر دليلا يقول : إذا نظرنا اليها دليلا دليلا وجدنا ان دليل القران هو الاقوى ودليل السنة والاجماع كذلك اي النقل والاجماع وعلى هذا الاساس فالنقل مختلف فيه والاجماع مختلف فيه والمصلحة لم يختلف فيها فتقدم المصلحة على النص من الكتاب والسنة والاجماع
في تقريره للادلة قال : إننا إذا نظرنا إلىالدليل النقلي وجدنا انه يعرض له الظن من طرق عدة ، من هذه الطرق نقل اللغة ، ونقل اللغة يعرض له الظن، والقران والسنة يفسران بنقل اللغة (اي انه قدح في نقل اللغة) وما يعرض له من وجوه الاختلاف في دلالة الكلمة واعراب الجملة من ناحية النحو ووجوه الاستعمال في علم البلاغة فهذا يعني وجود الاختلاف في دلالة القران والسنة.
وما يعرض للدليل من جهة السنة من ناحية عدم الثبوت وعلل الاسانيد وعلل الرجال وعلل المتن من الشذوذ والتحريف الى غير ذلك من العلل
وما يعرض للدليل من جهة البقاء لانه يحتمل النسخ سواء كان من القران والسنةسلامة الدلالة من المعارض فالعام مثلا يحتمل التخصيص والمطلق يحتمل التقييد والظاهر محتمل للتاويل.
زكذلك ما يعرض للدليل من نا حية التقديم والتأخير والزيادة والنقصان.
ويقول: ان هذه الاحتمالات تدل على ان دلالة الدليل النقلي على المصلحة دليل ظني، وعلى هذا الاساس اتضح ان هناك اختلاف في الدلالة ، اما المصلحة فقطعية الثبوت وليس فيها خلاف، وبناء على ذلك يقدم المتفق عليه على المختلف فيه عند التعارض.
حاصل هذه الشبهة: ان الدليل النقلي ظني من وجوه كثيرة والمصلحة قطعية منجميع الوجوه ، واقطعي مقدم على الظني

 

الصراع الحنبلي الأشعري عبر العصور ووقفة مع حادث معاصر

الصراع الحنبلي الأشعري عبر العصور ووقفة مع حادث معاصر

متأخرو الحنابلة ومن سار على نهجهم ممن يسمون انفسهم بالسلفية المعاصرة ينسبون انفسهم للسلف والسنة والجماعة وكذلك الأشاعرة ..وكل منهم أى الأشاعرة والحنابلة مختلفون في مسائل كثيرة في العقيدة ، ولم يحصل الاختلاف بين الطرفين في نطاق التباين الاجتهادي والعلمي الذي كثيراً ما يقع حتى بين أبناء المذهب الواحد نفسه ، بل اعتبره الكثير منهم خلافاً في أصول العقيدة ومسائلها الضرورية ، والحديث عن حجم هذا الخلاف وتاريخه طويل تناقلته كتب المصنفين كثيراً ، ولهذا فلا يمكن عرض كل هذا التاريخ وبيان الخلاف بجميع تفاصيله ، ولكن يمكن الإشارة إلى ما يتضح منه حقيقة الأمر ، فمن الشواهد التي توضح حقيقة الخلاف الواقع بين الطرفين :

فالأشاعرة يسمون هذه الفتن الحاصلة بينهم وبين الحنابلة بـ فتنة الحنابلة والحنابلة يسمون هذه الفتن الحاصلة بينهم وبين الأشاعرة بـ فتنة الأشاعرة او فتنة ابن القشيري .

1- فتنة ابن القشيري مع أبي جعفر الحنبلي

أبو نصر القشيري أحد كبار علماء السنة في العقيدة والفقه والتفسير وهو من الأشاعرة ، قال فيه السبكي : الإمام العلم ، بحرٌ مغدِق ، وحَبْرُ زمانه إذا قيل كعب الأحبار ، وهُمام مقدّم ، وإمام تقتدي به الهداة ، وتأتم ، نما من تلك الأصول الطاهرة غصنه المورق ، وسما على الأنجم الزاهرة بدره المشرق … الخ .

وقال الذهبي : الشيخ الإمام المفسر العلاّمة .

وقال فيه الحافظ عبد الغافر الفارسي : إمام الأئمة ، وخير الأمة ، وبحر العلوم وصدر القروم ، قرة عين الإسلام ، وثمرة فؤاده .

إلى أنْ قال فيه : وبلغ الأمر في التعصب كاد أنْ يؤدي إلى الفتنة .

وقد حصلت في زمانه فتنة كبيرة سماها السبكي بفتنة الحنابلة ، وسماها الحنابلة كابن رجب الحنبلي وابن الجوزي بفتنة ابن القشيري ، وكان في مواجهة ابن القشيري أبو جعفر الحنبلي الذي يقول فيه ابن الجوزي : كان عالماً فقيهاً ، ورعاً عابداً ، زاهداً ، قوالاً بالحق ، لا يُحابي ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، وقال فيه ابن عقيل : كان يفوق الجماعة من أهل مذهبه وغيرهم في علم الفرائض ، وقال ابن رجب الحنبلي : وكان معظماً عند الخاصة والعامة ، زاهـداً في الدنيـا إلى الغاية ، قائماً في إنكـار المنكرات بيده ولسانه مجتهداً في ذلك .

ذكر ابن رجب الحنبلي : أنّ أبا نصر القشيـري ورد بغـداد سنة تسـع وستيـن وأربعمـائة ، وجلـس في النظامية ، وأخذ يذم الحنابلة ، وينسبهم إلى التجسيم ، وكان المتعصب له أبو سعد الصوفي ، ومال إلى نصره أبو إسحاق الشيرازي ، وكتب إلى نظام الملك الوزير يشكو الحنابلة ، ويسأله المعونة ، فاتفق جماعة من أتباعه الهجوم على الشريف أبي جعفر في مسجده والإيقاع به ، فرتب الشريف جماعة أعدهم لرد خصومة إنْ وقعت ، فلما وصل أولئك باب المسجد رماهم هؤلاء بالآجر ، فوقت الفتنة ، وقتل من أولئك رجل من العامة ، وجرح آخرون ، وأخذت الثياب ، وأغلق أتباع ابن القشيري أبواب مدرسة النظام ، وصاحوا المستنصر بالله ، يا منصور ، يعنون العبيدي صاحب مصر ، وقصدوا بذلك التشنيع على الخليفة العباسي ، وأنه مماليء للحنابلة لاسيما والشريف أبو جعفر ابن عمه ، وغضب أبو إسحاق ، وأظهر التأهب للسفر ، وكاتب فقهاء الشافعية نظام الملك بما جرى ، فورد كتابه بالامتعاض من ذلك والغضب لتسلط الحنابلة على الطائفة الأخرى وكان الخليفة يخاف من السلطان ووزيره نظام الملك ويداريهما .

ثم ذكر : أنّ الخليفة لما خاف من تشنيع الشافعية عليه عند النظام أمر الوزير أنْ يجيل الفكر بما تنحسم به الفتنة ، فاستدعى الشريف أبا جعفر بجماعة من الرؤساء منهم ابن جردة ، فتلطفوا به حتى حضر في الليل ، وحضر أبو إسحاق ، وأبو سعد الصوفي ، وأبو نصر بن القشيري ، فلما حضر الشريف عظَّمه الوزير ورفعه ، وقال : إنّ أمير المؤمنين

ساءه ما جرى من اختلاف المسلمين في عقائدهم ، وهؤلاء يصالحونك على ما تريد ، وأمرهم بالدنو من الشريف ، فقام إليه أبو إسحاق ، وكان يتردد في أيام المناظرة إلى مسجده بدرب المطبخ ، فقال : أنا ذاك الذي تعرف ، وهذه كتبي في أصول الفقه ، أقول فيها خلافاً للأشعرية ، ثم قبل رأسه .

ثم قام أبو سعد الصوفي ، فقبل رأس الشريف وتلطف به ، فالتفت مغضباً وقال : أيها الشيخ ، إنّ الفقهاء إذا تكلموا في مسائل الأصول فلهم فيها مدخـل ، وأما أنت ، فصاحب لهـو وسمـاع وتعبير ، فمـن زاحمك على ذلك حتى داخلت المتكلمين والفقهاء ، فأقمت سوق التعصب ؟!

ثم قام ابن القشيري وكان أقلهم إحتراماً للشريف ، فقال الشريف : من هذا ؟ فقيل : أبو نصر بن القشيري ، فقال : لو جاز أنْ يُشكر أحدٌ على بدعته لكان هذا الشاب ، لأنه باد هنا بما في نفسه ، ولم ينافقنا كما فعل هذان ، ثم التفت إلى الوزير فقال : أي صلح يكون بيننا ؟! إنما يكون الصلح بين مختصمين على ولاية أو دنيا أو تنازع في ملك ، فأما هؤلاء القوم فإنهم يزعمون أنّا كفار

ونحن نزعم أنّ من لا يعتقد ما لا نعتقده كان كافراً ، فأي صلح بيننا ؟! وهذا الإمام يصدع المسلمين ، وقد كان جداه القائم والقادر أخرجا اعتقادهما للناس ، وقريء عليهم في دواوينهم ، وحمله عنهم الخراسانيون والحجيج إلى أطراف الأرض ، ونحن على اعتقادهما .

وذكر ابن كثير في البداية والنهاية وابن الجوزي في المنتظم أنّ هذه الفتنة أدت إلى حبس الشريف أبي جعفر العباسي ، وإخراج ابـن القشيري مـن بغداد .

وقال ابن الأثير متحدثاً عن هذه الفتنة أثناء كلامه عن حوادث سنة (469هـ) : في هذه السنة ورد بغداد أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري حاجاً ، وجلس في المدرسة النظامية يعظ الناس ، وفي رباط شيخ الشيوخ ، وجرى له مع الحنابلة فتن ، لأنه تكلم على مذهب الأشعري ونصره ، وكثر أتباعه والمتعصبون له ، وقصد خصومه من الحنابلة ومن تبعهم سوق المدرسة النظامية ، وقتلوا جماعة ، وكان من المتعصبين للقشيري الشيخ أبو إسحاق وشيخ الشيوخ وغيرهما من الأعيان ، وجـرت بين الطائفتين أمور عظيمة .

ولم يمض سنة على انطفاء الفتنة حتى اشتعلت مرة ثانية وأدت إلى حرب بين الطرفين كان ضحيتها عشرين قتيلاً ، يقول ابن كثير وهو يتحدث عن حوادث سنة (470هـ) : وفي شوال منها وقعت فتنة بين الحنابلة وبين فقهاء النظامية ، وحمى لكل من الفريقين طائفة من العوام ، وقتل بينهم نحو مـن عشرين قتيلاً وجرح آخرون ، ثم سكنت الفتنة .

نص ما ذكره الأشاعرة ضد الحنابلة

ومن الوثائق المهمة وثيقة صدرت عن أبي نصر القشيري ووقع عليه جماعة من علماء الأشاعرة ضد الحنابلة ، ومما جاء فيها كما نقل الحافظ أبي محمد القاسم ابن الحافظ ابن عساكر في تبيين كذب المفتري حيث ذكره إستدراكاً لما لم يذكره أبوه :

يشهد من ثبت اسمه ونسبه وصح نهجه ومذهبه واختبر دينه وأمانته من الفقهاء وأهل القرآن والمعدلين من الأعيان ، وكتبوا خطوطهم المعروفة …

إلى أن قال : أنّ جماعة من الحشوية والأوباش المتوسمين بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة ما لم يتسمح به ملحد فضلاً عن موحد ، ولا تجوز به ، قادح في أصل الشريعة ولا معطل ، ونسبوا كل ما ينزه الباري تعالى وجـل عن النقائص والآفات ، وينفي عنه الحدوث والتشبيهات ، ويقدسه عن الحلول والزوال .

إلى أنْ قال : وتناهوا في قذف الأئمة الماضين ، وثلب أهل الحق وعصابة الدين ، ولعنهم في الجوامع والمشاهد والمحافل والمساجد والأسواق والطرقات والخلوة والجماعات ، ثم غرهم الطمع والإهمال ومدهم في طغيانهم الغي والضلال إلى الطعن فيمن يعتضد به أئمة الهدى وهو للشريعة العروة الوثقى ، وجعلوا أفعاله الدينية معاصي دنية ، وترقوا من ذلك إلى القدح في الشافعي رحمه الله وأصحابه ، واتفق عود الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر ابن الأستاذ الإمام زين الإسلام أبي القاسم القشيري رحمة الله عليه …

إلى أنْ قال : وتمادت الحشوية في ضلالتها والإصرار على جهالتها وأبوا إلا التصريح بأنّ المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل ، وأنه ينزل بذاته ، ويتردد على حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط ، وعليه تاج يلمع ، وفي رجليه نعلان من ذهب ، وحفظ ذلك عنهم ، وعللوه ودونوه في كتبهم ، وإلى العوام ألقوه ، وأنّ هذه الأخبار لا تأويل لها ، وأنها تجري على ظواهرها وتعتقد كما ورد لفظها ، وأنه تعالى يتكلم بصـوت كالرعـد ، وكصهيـل الخيل …

2- إلزام الحنابلة للعوام المتوفين بالتبري من المذهب الأشعري عند التلقين حال الوفاة والموت على العقيدة الحنبلية

بعد حصول الفتنة بين الحنابلة والشافعية الأشاعرة الذين كان من أبرزهم أبو إسحاق الشيرازي الفقيه صاحب المهذب في الفقه الشافعي والذي شرحه الامام النووي في كتابه المجموع وابن القشيري حصلت تصرفات كثيرة كردود فعل في سلوكيات فقهاء الحنابلة والأشاعرة ، ومن تلك الأمور التي تذكر في ترجمة طاهر بن الحسين القواس الذي يصفه ابن رجب الحنبلي بـ الفقيه ، الزاهد ، الورع ، وقال فيه أبو سعد السمعاني : من أعيان فقهاء الحنابلة وزهادهم ، وحكى عنه الحنابلة كرامات كثيرة ، أنه كان يعلن التبري من المذهب الأشعري عند تلقين الموتى ، يقول الفقيه الحنبلي ابن عقيل في نقل ذلك أثناء حديثه عنه : كان حسن الفتوى ، متوسطاً في المناظرة في مسائل الخلاف ، إماماً في الإقراء ، زاهداً ، شجاعاً مقداماً ، ملازماً لمسجده ، يهابه المخالفون ، حتى أنه لما توفي ابن الزروني وحضره أصحاب الشافعي على طبقاتهم وجموعهم في فورة أيام القشيري وقوتهم بنظام الملك حضر حتى بلغ الأمر إلى تلقين الحفار قال له : تنح حتى ألقنه أنا ، فهذا كان على مذهبنا ، ثم قال : يا عبد الله وابن أمته ، إذا نزل عليك ملكان فظان غليظان ، فلا تجزع ، ولا تُرَع ، فإذا سألاك فقل : رضيت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، لا أشعري ، ولا معتزلي ، بل حنبلي سني فلم يتجاسر أحد أنْ يتكلم بكلمة ، ولو تكلم أحد لفضخ رأسه أهل باب البصرة ، فإنهم كانوا حوله قد لقّن أولادهم القرآن والفقه ، وكان في شوكة ومنعة ، غير معتمد عليهم ، لأنه أمة في نفسه .

3- فتنة أبي إسماعيل الأنصاري الحنبلي مع الأشاعرة

عبد الله بن محمد الهروي ، أبو إسماعيل الأنصاري ، أحد أبرز علماء الحنابلة في العقيدة ، وإنْ كان في الفقه شافعياً ، يقول فيه ابن رجب الحنبلي : الفقيه ، المفسر ، الحافظ ، الصوفي الواعظ ، شيخ الإسلام .

قال فيه ابن تيمية : شيخ الإسلام مشهور ، معظم عند الناس ، هو إمام في الحديث والتصوف والتفسير ، وهو في الفقه على مذهب أهل الحديث يُعظم الشافعي وأحمد ، ويقرن بينهما في أجوبته في الفقه ما يوافق قول الشافعي تارة وقول أحمد أخرى ، والغالب عليـه إتباع الحديث على طريقة ابن المبارك ونحوه .

وقال فيـه ابن الجـوزي : وكـان شـديـداً على أهـل البـدع ، قويـاً في نصـرة السنة .

وقال الذهبي : شيخ الإسلام ، الإمام القدوة الحافظ الكبير .

ويقول ابن رجب في أثناء حديثه عن المحن التي تعرض لها : وقال ابن طاهر : سمعت الإمام أبا إسماعيل بهراة يقول : عرضت على السيف خمس مرات ، لا يقال لي ارجع عن مذهبك ، لكن يُقال لي : أسكت عمن خالفك ، فأقول : لا أسكت .

واستمر تلميذه ابن طاهر المقدسي صاحب كتاب الجمع بين رجال الصحيحين يحكي ما وقع بينه وبين من خالفه من الفتن ، فمن ذلك الفتن التي وقعت بينه وبين الأشاعرة من الشافعية والأحناف ، فقال : وحكى لنا أصحابنا أنّ السلطان ألب أرسلان حضر هراة ، وحضر معه وزيره أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق ، فاجتمع أئمة الفريقين من أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة للشكاية من الأنصاري ، ومطالبته بالمناظرة ، إلى أن قـال : وسمعت أحمد بن أميرجه القلانسي خادم الأنصاري يقول : حضرت مع الشيخ للسلام على الوزير أبي علي الطوسي ، وكان أصحابه كلفوه بالخروج إليه ، وذلك بعد المحنة ورجوعه من بلخ ، فلما دخل عليه أكرمه وبجله ، وكان في العسكر أئمة من الفريقين في ذلك اليوم وقد علموا أنه يحضر ، فاتفقوا جميعاً على أنْ يسألوه عن مسألة بين يدي الوزير فإنْ أجاب بما يجيب به بهراة سقط من عين الوزير ، وإنْ لم يجب سقط من عيون أصحابه وأهل مذهبه ، فلما دخل واستقر به المجلس انتدب له رجل من أصحاب الشافعي يُعرف بالعلوي الدبوسي ، فقال : يأذن لي الإمام في أنْ أسأل مسألة ؟ فقال : سل ، فقال : لم تلعن أبا الحسن الأشعري ؟ فسكت وأطرق الوزير لما علم من جوابه ، فلما كان بعد ساعة قال له الوزير أجبه ، فقال : لا أعرف الأشعري ، ,إنما ألعن مـن لم يعتقد أنّ الله عز وجل في السماء ، وأنّ القـرآن في المصحف ، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اليـوم نبي …

واستمر ابن طاهر المقدسي ينقل تفاصيل الحوادث إلى أنْ قال : ودخلوا على السلطان واستغاثوا من الأنصاري ، وقالوا له : إنه مجسم ، فإنه يترك في محـرابـه صنـماً ، ويقـول إنّ الله عـز وجـل على صـورتـه …الخ تفاصيل الحادثة .

4- منع الحنابلة غيرهم من التحديث ووصفهم لغيرهم بالكفر

من الأمور التي يظهر منها حدة الخلاف بين الحنابلة وسائر المسلمين بما فيهم الأشاعرة ، أنه كان في الري وهي قسم من طهران حالياً يمنع غير الحنابلة من الحديث ، وكان شيخ الحنابلة في الري أبو حاتم أحمد بن الحسن الرازي المعروف بـ خاموش والذي يصفه الذهبي بقوله : الإمام المحدث ، الحافظ ، الواعظ ، ويقول فيه أيضاً : وكان شيخ أهل الري في زمانه هو الذي يمنع الجميع بأمر من السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي ، وكان يصف غير الحنابلة بالكفر والعياذ بالله تعالى ، وكان أبو إسماعيل الأنصاري يقره على تلك المقولة وهو الذي يصف الأشاعرة بشياطين البشر.

يقول ابن طاهر المقدسي وهو ينقل هذه الأحداث عن شيخه أبي إسماعيل الأنصاري : سمعت عبد الله بن محمد الأنصاري يقول : لما قصدت الشيخ أبا الحسن الجركاني الصوفي ، وعزمت على الرجوع وقع في نفسي أن أقصد أبا حاتم بن خاموش الحافظ بالري والتقي به ، وكان مقدم أهل السنة بالري ، وذلك أن السلطان محمود بن سبكتكين لما دخل الري قتل بها الباطنية ، ومنع سائر الفرق الكلام على المنابر غير أبي حاتم، وكان من دخل الري من سائر الفرق يعرض اعتقاده عليه ، فان رضيه أذن له في الكلام على الناس، وإلا منعه ، فلما قربت من الري كان معي في الطريق رجل من أهلها ، فسألني عن مذهبي؟ فقلت: أنا حنبلي ، فقال : مذهب ما سمعت به وهذه بدعة ، وأخذ بثوبي وقال : لا أفارقك حتى أذهب بك إلى الشيخ أبي حاتم. فقلت: خيرة ، فاني كنت أتعب إلى أن التقي به ، فذهب بي إلى داره ، وكان له ذلك اليوم مجلس عظيم . فقال : أيها الشيخ ، هذا الرجل الغريب سألته عن مذهبه فذكر لي مذهبا لم أسمع به قط . قـال : ما قال ؟ قال : أنا حنبلي ، فقال : دعه ، فكل من لم يكن حنبليا فليس بمسلم ، فقلت الرجل كما وصف لي ولزمته أياما وانصرفت .

وقال أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه ذم الكلام أيضاً نقلاً عن أبي حاتم خاموش الحنبلي الرازي أيضاً أنه كان يلعن الأشاعرة ، حيث قال : وسمعت أحمد بن الحسن الخاموشي الفقيه الرازي في داره بالري في محفل يلعن الأشعرية ، ويطري الحنابلة ، وذلك سنة خرجنا مع الحاج .

5- فتنة الحنابلة مع الأشاعرة

ففي زمن الملك الأشرف مظفر الدين وكان يحكم دمشق ، وكان له ميل للحنابلة ، وقد وقع في زمانه فتنة بين الحنابلة والأشاعرة ، يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء : وكان للأشرف ميل إلى المحدثين والحنابلة ، قال ابن واصل وقعت فتنة بين الشافعية والحنابلة بسبب العقائد .

قال : وتعصب الشيخ عز الدين بن عبد السلام على الحنابلة وجرت خبطة حتى كتب عز الدين رحمه الله إلى الأشرف يقع فيهم وأن الناصح ساعد على فتح باب السلامة لعسكر الظاهر والأفضل عندما حاصروا العادل فكتب الأشرف يا عز الدين الفتنة ساكنة لعن الله مثيرها …

6- صدور القرار السلطاني بلعن الأشاعرة ومن عدا الحنابلة

يقول ابن تيمية بشأن السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي : وكان من أحسن ملوك أهل المشرق إسلاماً وعقلاً وديناً وجهاداً وملكاً في آخر المائة الرابعة .

ثم يـواصل الحـديث إلى أنْ يصـل إلى الكـلام الـذي صـدر في عهد القادر العباسي وجرى على منواله السلطان الغزنوي ضد جميع من لم يكن من الحنابلة ، يقول ابن تيمية : … وكان هذا مما دعا القادر إلى إظهار السنة وقمع أهل البدع ، فكتب الاعتقاد القادري المنسوب إليه ، وهو في الأصل من جمع الشيخ أبي أحمد القصار ، وهو من أجل المشايخ وأعلمهم وله لسان صدق عظيم وأمر القادر باستتابة من خالف ذلك من المعتزلة وغيرهم وقام الشيخ أبو حامد الاسفرائيني إمام الشافعية والشيخ أبو عبد الله ابن حامد إمام الحنابلة على ابن الباقلاني بسبب ما ينسب إليه من بدعة الأشعري ، وجرت أمور بلغتنا مجملة غير مفصلة ، وصنف ابن الباقلاني كتابه المعروف في الرد على من ينسب إلى الأشعري خلاف قوله واعتمد السلطان محمود بن سبكتكين في مملكته نحو هذا وزاد إليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر ، فلعنت الجهمية والرافضة والحرورية والمعتزلة والقدرية ، ولعنت أيضا الأشعرية حتى جرى بسبب ذلك نزاع وفتنة بين الشافعية والحنفية وغيرهم ، قوم يقولون هم من أهل البدع فيلعنون ، وقوم يقولون ليسوا من أهل البدع فلا يلعنون ، وجرت لابن فورك محنة بأصبهان وجرت له مناظرة مع ابن الهيصم بحضرة هذا السلطان محمود وكان يحب الإسلام والسنة مستنصرا بالإسلام …

7- منع الحنابلة للأشاعرة من حضور الجمعة والجماعة

يقـول ابن كثير أثناء حديثـه عن أحداث سنة ( 447 هـ ) ببغداد : وفيها وقعت الفتنة بين الأشـاعرة والحنابلـة ، فقـوي جانب الحنابلة قـوة عظيمـة ، بحيث أنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهـد الجمعة ولا الجماعات .

ويقول ابن الجوزي أثناء حديثه عن أحداث هذه السنة : ووقعت بين الحنابلة والأشاعرة فتنة عظيمة حتى تأخر الأشاعـرة عـن الجمعـات خـوفاً من الحنابلة .

ويقول ابن خلدون أثناء كلامه عن هذه الفتن : … وبين الحنابلة والشافعية وغيرهم من تصريح الحنابلة بالتشبيه في الذات والصفات ، ونسبتهم ذلك إلى الإمام أحمد ، وحاشاه منه ، فيقع الجدال والنكير ، ثم يفضي إلى الفتنة بين العوام

8- فتنة ابن فورك

ومن الفتن التي حصلت في بغداد أيضاً في القرن الخامس الهجري الفتنة التي وقعت بين الحنابلة والأشاعرة والتي اتهمت فيها بعض المصادر ، أحمد بن محمد بن الحسن سبط ابن فورك الذي كان من علماء الأشاعرة ، قال ابن الجوزي : نزل بغداد واستوطنها ، وكان متكلماً مناظراً واعظاً ، وكـان ختن أبي القاسم القشيري على ابنته ، وكـان يعظ في النظامية ، فوقعت بسببه فتنة بين المذاهب .

وقال : وكان يأخذ مكسر الفحم ويوقع العداوة بين الحنابلة والأشاعرة ، مات وقد ناف على الستين سنة ، وقد دفن إلى جانب قبر الأشعري بمشرعـة الزوايا .

9- فتنة البربهاري إمام الحنابلة

وممن نقل هذه الفتنة الحافظ ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ أثناء حديثه عن حوادث سنة (323هـ) حيث قال : وفيها عظم أمر الحنابلة وقويت شوكتهم ، وصاروا يكبسون من دور القواد والعامة .

إلى أنْ قال : فركب بدر الخرشني ، وهو صاحب الشرطة ، عاشر جمادى الآخرة ونادى في جانبي بغداد في أصحاب أبي محمد البربهاري الحنابلة ، لا يجتمع منهم اثنان ولا يناظرون في مذهبهم ولا يصلي منهم إمام إلا إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشائين ، فلم يفد وزاد شرهم وفتنتهم ، واستظهروا بالعميان الذين كان يأوون المساجد ، وكانوا إذا مر بهم شافعي المذهب أغروا به العميان فيضربونه بعصيهم حتى يكاد يموت ، فخرج توقيع الراضي بما يقرأ على الحنابلة ينكر عليهم فعلهم ويوبخهم باعتقاد التشبيه وغيره ، فمنه : تارة إنكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين ، وهيئتكم الرذلة على هيئته ، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين والنعلين المذهبين ، والشعر القطط ، والصعود إلى السماء والنزول إلى السماء الدنيا تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً .

ويقول ابن الجوزي في ترجمة الحسن بن علي البربهاري : جمع العلم والزهد ، وصحب المرزي ، وسهلاً التستري .

إلى أنْ قال : وكان شديداً على أهل البدع ، فما زالوا يثقلون قلب السلطان عليه ، وكان ينزل بباب المحول ، وانتقل إلى الجانب الشرقي ، واستتر عند أخت توزون فبقي نحـواً مـن شهـر ، ثم أخـذه قيام الدم فمات .

وقال فيه الذهبي : شيخ الحنابلة ، القدوة الإمام .

إلى أنْ قـال : كـان قـوالاً بالحـق ، داعيـة إلى الأثـر ، لا يخـاف في الله لومـة لائم .

10- فتنة أبي بكر المروزي الحنبلي مع العامة ( عوام الناس)

نقل هذه الفتنة الحافظ ابن الأثير في الكامل ، حيث قال أثناء كلامـه عـن حوادث سنة (317هـ) : وفيها وقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي وبين غيرهم من العامة ، ودخل كثير من الجند فيها ، وسبب ذلك أنّ أصحاب المروزي قالوا في تفسير قوله تعالى : ( عسى أنْ يبعثك ربك مقاماً محموداً ) هو أنّ الله سبحانه يقعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معه على العرش وقالت الطائفة الأخرى : إنما هو الشفاعة ، فوقعت الفتنة ، فقتل بينهم قتلى كثيرة .

قال الحافظ ابن كثير بعد أنْ ذكر الحادثة في تاريخه : وقد ثبت في صحيح البخاري أنّ المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى ، وهي الشفاعة في فصل القضاء بين العباد .

11- فتنة الحنابلة مع البكري المغربي

ذكر هذه الفتنة الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة البكري المغربي ، وذكر أنه أشعري ووصفه بالواعظ العالم وقال : وفد على النظام الوزير فنفق عليه وكتب له توقيعا بأن يعظ بجوامع بغداد ، فقدم وجلس واحتفل الخلق فذكر الحنابلة وحط وبالغ ونبزهم بالتجسيم ، فهاجت الفتنة وغلت بها المراجل ، وكفّر هؤلاء هؤلاء ، ولما عزم على الجلوس بجامع المنصور قال نقيب النقباء : قفوا حتى أنقل أهلي ، فلا بد من قتل ونهب ، ثم أغلقت أبواب الجامع وصعد البكري وحوله الترك بالقسي ولقب بعلم السنة فتعرض لأصحابه طائفة من الحنابلة ، فشدت الدولة منه وكبست دور بني القاضي ابن الفراء وأخذت كتبهم وفيها كتاب فكان يقرأ بين يدي البكري وهو يشنع ويشغب ، ثم خرج البكري إلى المعسكر متشكيا من عميد بغداد أبي الفتح بن أبي الليث .

وقيل : إنه وعظ وعظّـم الإمام أحمـد ثم أصحهما ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) ، فجاءته حصاة ثم أخرى فكشف النقيب عن الحال فكانوا ناساً من الهاشميين حنابلة قد تخبئوا في بطانة السقف فعاقبهم النقيب ثم رجع البكري عليلا وتوفي في جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربع مئة .

12- فتنة الحنابلة مع القيرواني

وصف الذهبي أبا عبد الله محمد بن عتيق القيرواني التميمي المعروف بابن أبي كديه بقوله : العالم الأصولي شيخ القراء .

وقال فيه شيخ الحنابلة ابن عقيل : هو شيـخ هش حسـن العارضـة جـاري العبارة حفظة متدين صلف تذاكرنا فرأيته مملوءا علما وحفظا .

قال الذهبي في ترجمته : وقال السلفي : كان مشارا إليه في الكلام قال لي : أنا أدرس الكلام من سنة ثلاث وأربعين ، جرت بينه وبين الحنابلة فتن وأوذي غايـة الإيـذاء سألتـه عن مسألـة الاستواء ، فقـال : أحـد الوجهين للأشـعري أنه يحمل على ما ورد ولا يفسر .

قال الذهبي : وقال أحمد بن شافع : قال ابن ناصر وجماعة : كان أصحاب القيرواني يشهدون عليه أنه لا يصلي ولا يغتسل من جنابة في أكثر أحواله ، ويرمى بالفسق مع المرد واشتهر بذلك ، وادعى قراءة القرآن على ابن نفيس .

قال الذهبي بعد ذلك : قلت : هذا كلام بهوى .

,,,,,,

أما الآن بعد حوادث قتل زنادقة مصر ممن وثب على الحكم للمسلمين فأكبر منابر الحنابلة ومنابر الأشعرية تتوحد اليوم بعد طول جفاء وشقاق على نصرة العلمانية والعسكر الكفار وخدمة المشروع الأمريكي الرومى في المنطقة.

ولا عجب؛ فكثير من كبار الفريقين بعمد وبغير عمد كانا يخدمان تلك المصالح في ثياب نصرة السنة وقت أن كانت الردود محتدمة بين الفريقين تاركَين الخطر الأعظم بلا تنبيه ولا تحذير

فأدعياء الأشعرية كعلى جمعة ومن لف لفه لا يعرفون من الأشعرية إلا رمي ابن تيمية بالتجسيم، ولا من التصوف إلا التمايل وهزّ الأبدان وادعاء رؤية النبي في اليقظة، أما الإنصاف ونبذ الشقاق وتهذيب النفوس من الغل والحقد فهم عنه بمعزل!!

ولسان حال غلاة الحنابلة من علماء بلاد الحرمين:

ولى أمرنا ومليكنا يا إمام أهل السنة

افعل ما شئت اسرق اقتل ادعم الصليبيين ارسل غلمانك اللبراليين لينشروا الفساد

ادعم طواغيت الأمصار ليقتلوا شعوبهم المسلمين وأعنهم على الفساد في الأرض

سنبرر أفعالك وندافع عنها طالما تبنيت ونصرت مذهبنا  وتركتنا نقول أن أئمتنا الحنابلة لا يأتيهم الباطل من بين يديهم ولا من خلفهم

ما أرخص ما باع غلاة الحنابلة والأشاعرة الدين بالمذهب

 

نظرية عصمة الرواية عند الظاهرية

نظرية عصمة الرواية عند الظاهرية
هذا بحث صغير ورؤية لعصمة الرواية وقطعية ثبوتها عند الظاهرية نشرته قبل سنوات في منتديات الشبكة
وأعيد نشره الآن بسبب ما يثار عن الدستور الكفرى المزمع التصويت عليه في مصر هذه الأيام وقضية قطعى الثبوت وقطعى الدلالة !

الحمد لله والصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وسلم وآله
يكثر الكلام أحياناً من بعض العقلانيين وأشباههم عن حديث الآحاد وهل هو يفيد العلم أم يفيد غلبة الظن وهل يفيد العلم والاعتقاد والعمل أو يوجب العمل فقط .
والردود على هؤلاء كثيرة وأحسن من كتب فيها هو الإمام ابن حزم رحمه الله وأثبت بما لا يدع مكاناً للشك أن الرواية متى رواها العدل الضابط عن مثله إلى منتهى السند بالشروط المعتبرة عند أصحاب الحديث فهذا الخبر يوجب العلم والاعتقاد والعمل بصرف النظر عن كونه آحاد أو متواتر… ويمكن أن نصلح على هذا الأمر باصطلاح ((عصمة الرواية الثابتة))
فالمؤمن يجب عليه أن يؤمن إيماناً جازماً لا يعتريه أي شك بكل ما أخبر به الله جل جلاله ، وبكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إذا ثبتت صحته إليه صلى الله عليه وسلم ، ؤويجب عليه أن يقبله جملة وتفصيلاً سواء فهمه أو لم يفهمه ، أو استغربه أم لم يستغربه ؛ لأن عدم استيعابه للأمر الصادق المجزوم بصحته وثبوته لا يعني عدم ثبوت هذا الأمر ، ولكن القضية أن عقله لم يستطع أن يستوعب ذلك الأمر ويفهمه ، أو أن علمه القاصر لم يدرك الحقيقة العلمية (كمثال حديث الذباب الذى ثبت صحته بالطرق العلمية في قرننا الحالى) والمولى سبحانه وتعالى أمرنا أن نؤمن بكل ما أخبر عنه سبحانه أو أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) الحجرات / 15 .
قال ابن حزم رحمه الله في الإحكام (1-117)
فإن قالوا: فإنه صفة كل مخبر وطبيعته أن خبره يجوز فيه الصدق والكذب والخطأ، وقولكم بأن خبر الواحد العدل في الشريعة موجب للعلم إحالة لطبيعة الخبر وطبيعة المخبرين، وخرق لصفات كل ذلك وللعادة فيه.
قلنا لهم: لا ينكر من الله تعالى إحالة ما شاء من الطبائع إذا صح البرهان بأنه فعل الله تعالى، والعجب من إنكاركم هذا مع
قولكم به بعينه في إيجابكم عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب والوهم في تبليغه الشريعة، وهذا هو الذي أنكرتم بعينه، بل لم تقنعوا بالتناقض إذا أصبتم في ذلك وأخطأتم في منعكم من ذلك في خبر الواحد العدل، حتى أتيتم بالباطل المحض إذ جوزتم على جميع الامم موافقة الخطأ في إجماعها في رأيها، وذلك طبيعة في الكل وصفة لهم، ومنعتم من جواز الخطأ والوهم على ما ادعيتموه من إجماع الامة من المسلمين خاصة في اجتهادها في القياس، وحاشا لله أن تجمع الامة على الباطل – والقياس عين الباطل – فخرقتم بذلك العادة وأحلتم الطبائع بلا برهان لا سيما إن كان المخالف لنا من المرجئة القاطعين بأنه لا يمكن أن يكون يهودي ولا نصراني يعرف بقلبه أن الله تعالى حق.
فإن هؤلاء أحالوا الطبائع بلا برهان ومنعوا من إحالتها إذا قام البرهان بإحالتها.
فإن قالوا: فإنه يلزمكم أن تقولوا إن نقلة الاخبار الشرعية التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم معصومون في نقلها، وإن كل واحد منهم معصوم في نقله من تعمد الكذب ووقوع الوهم منه.قلنا لهم: نعم هكذا نقول، وبهذا نقطع ونبت.
وكل عدل روى خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين أو فعله عليه السلام، فذلك الراوي معصوم من تعمد الكذب – مقطوع بذلك عند الله تعالى – ومن جواز الوهم فيه عليه إلا ببيان وارد – ولا بد – من الله تعالى ببيان ما وهم فيه، كما فعل تعالى بنبيه عليه السلام، إذ سلم من ركعتين ومن ثلاث واهما، لقيام البراهين التي قدمنا من حفظ جميع الشريعة وبيانها مما ليس منها، وقد علمنا ضرورة أن كل من صدق في خبر ما فإنه معصوم في ذلك الخبر من الكذب والوهم بلا شك فأي نكرة في هذا ؟.
فإن قالوا: تعبدنا الله تعالى بحسن الظن به، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي قلنا: ليس هذا من الحكم في الدين بالظن في شئ بل كله باب واحد لانه تعالى حرم علينا أن نقول عليه ما لا نعلم ونحن لا نعلم أيغفر لنا أم يعذبنا فوجب علينا الوقوف في ذلك والرجاء والخوف، وحرم علينا أن نقول عليه في الدين والتحريم والاباحة والايجاب ما لا نعلم، وبين لنا كل ما ألزمنا من ذلك فوجب القطع بكل ذلك كما وجب القطع بتخليد الكفار في النار أو تخليد المؤمنين في الجنة، ولا فرق ولم يجز القول بالظن في شئ من ذلك كله.
فإن قالوا: أنتم تقولون: إن الله تعالى أمرنا بالحكم بما شهد به العدل مع يمين الطالب وبما شهد به العدلان فصاعدا، وبما حلف عليه المدعى عليه، إذا لم يقم المدعي بينة في إباحة الدماء المحرمة، والفروج المحرمة، والابشار المحرمة،
والاموال المحرمة، وكل ذلك بإقراركم ممكن أن يكون في باطن الامر بخلاف ما شهد به الشاهد، وما حلف عليه الحالف، وهذا هو الحكم بالظن الذي أنكرتم علينا في قولنا في خبر الواحد ولا فرق.
قلنا لهم وبالله التوفيق: بين الامرين فروق واضحة كوضوح الشمس.
أحدهما: أن الله تعالى قد تكفل بحفظ الدين وإكماله، وتبينه من الغي ومما ليس منه.
ولم يتكفل تعالى قط بحفظ دمائنا، ولا بحفظ فروجنا، ولا بحفظ أبشارنا ولا بحفظ أموالنا في الدنيا.
بل قدر تعالى بأن كثيرا من كل ذلك يؤخذ بغير حق في الدنيا.
وقد نص على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من الآخر فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار وبقوله عليه السلام للمتلاعنين: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب أو كما قال عليه السلام في كل ذلك.
والفرق الثاني: أن حكمنا بشهادة الشاهد وبيمين الحالف، ليس حكما بالظن كما زعموا، بل نحن نقطع ونبت بأن الله عز وجل افترض علينا الحكم بيمين الطالب مع شهادة العدل، وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم بينة، وبشهادة العدل والعدلين والعدول عندنا، وإن كانوا في باطن أمرهم كذابين أو واهمين والحكم بكل ذلك حق عند الله تعالى، وعندنا مقطوع على غيبه، برهان ذلك: أن حاكما لو تحاكم إليه اثنان ولا بينة للمدعي، فلم يحكم للمدعى عليه باليمين، أو شهد عنده عدلان فلم يحكم بشهادتهما.
فإن ذلك الحاكم فاسق عاص لله عز وجل، مجرح الشهادة ظالم، سواء كان المدعى عليه مبطلا في إنكاره أو محقا، أو كان الشهود كذبة أو واهمين أو صادقين، إذا لم يعلم باطن أمرهم.
ونحن مأمورون يقينا بأمر الله عز وجل لنا بأن نقتل هذا البرئ المشهود عليه بالباطل، وأن نبيح هذ البشرة المحرمة، وهذا المال الحرام المشهود فيه بالباطل، وحرم على المبطل أن يأخذ شيئا من ذلك.
وقضى ربنا بأننا إن لم نحكم بذلك فإننا في الدين فساق عصاة له تعالى ظلمه متوعدون بالنار على ذلك وما أمرنا تعالى قط بأن نحكم في الدين بخبر وضعه فاسق أو وهم فيه واهم.
وقال تعالى: فهذا فرق في غاية البيان.
وفرق ثالث، وهو أن نقول: إن الله تعالى افترض علينا أن نقول في جميع الشريعة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأمرنا الله تعالى بكذا، لانه تعالى يقول: * وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وما آتاكم الرسول فخذوه وما نها كم عنه فانتهوا ففرض علينا أن نقول: نهانا الله تعالى ورسول صلى الله عليه وسلم عن كذا، وأمرنا بكذا، ولم يأمرنا تعالى قط أن نقول: شهد هذا بحق، ولا حلف هذا الجانب على حق، ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق له يقينا، ولا قال تعالى ما قال هذا الشاهد، لكن الله تعالى قال لنا: احكموا بشهادة العدول، وبيمين المدعى عليه إذا لم يقم عليه بينة، وهذا فرق لا خفاء به فلم نحكم بالظن في شئ من كل ذلك أصلا ولله الحمد، بل بعلم قاطع، ويقين ثابت أن كل ما حكمنا به مما نقله العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحق من عند الله تعالى أوحى به ربنا تعالى، مضاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم محكي عنه أنه قال وكل ما حكمنا فيه بشهادة العدول عندنا فحق مقطوع به من عند الله تعالى لانه أمرنا بالحكم به، ولم يأمرنا بأن نقول فيما شهدوا به، وما حلف به الحالف أنه من عند الله تعالى، ولا أنه حق مقطوع به، فإن قالوا: إنما قال تعالى: إن بعض الظن إثم ولم ولم يقل كل الظن إثم.
قلنا: قد بين الله تعالى الاثم من البر وهو أن القول عليه تعالى بما لا نعلم حرام، فهذا من الظن الذي هو إثم بلا شك.
قال علي: فلجأت المعتزلة إلى الامتناع من الحكم بخبر الواحد، للدلائل التي ذكرنا، وظنوا أنهم تخلصوا بذلك ولم يتخلصوا، بل كل ما لزم غيرهم مما ذكرنا هو ملازم لهم، وذلك أننا نقول لهم أخبرونا عن الاخبار التي رواها الآحاد أهي كلها حق إذا كانت من روا ية الثقات خاصة ؟ أم كلها باطل ؟ أم فيها حق وباطل ؟ فإن قالوا: فيها حق وباطل وهو قولهم.
قلنا لهم: هل يجوز أن تبطل شريعة أوحى الله تعالى بها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ليبينها لعباده حتى يختلط بكذب وضعه فاسق ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو وهم فيها واهم فيختلط الحق المأمور به مع الباطل المختلق اختلاطا لا يتميز به الحق من الباطل أبدا لاحد من الناس، وهل الشرائع الاسلامية كلها محفوظة لازمة لنا أو هي غير محفوظة، ولا كلها لازم لنا، بل قد سقط منها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، وهل قامت الحجة علينا لله تعالى فيما افترض من الشرائع بأنها بينة لنا متميزة مما لم يأمرنا به، أو لم تقم لله تعالى علينا حجة في الدين لان كثيرا منه مختلط بالكذب غير متميز منها أبدا ؟.
فإن أجازوا اختلاط شرائع الدين التي أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بما ليس في الدين، وقالوا: لم تقم لله تعالى علينا حجة فيما أمرنا به.
دخل عليهم في القول بفساد الشريعة، وذهاب الاسلام، وبطلان ضمان الله تعالى بحفظ الذكر كالذي دخل على غيرهم حرفا بحرف، سواء بسواء، ولزمهم أنهم تركوا كثيرا من الدين الصحيح كما لزم غيرهم سواء بسواء، أنهم يعملون بما ليس من الدين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد بطل بيانه، وأنه حجة الله تعالى بذلك لم تقم علينا سواء بسواء، وفي هذا ما فيه.
فإن لجأوا إلى الاقتصار على خبر التواتر، لم ينفكوا بذلك من أن كثيرا من الدين قد بطل لاختلاطه بالكذب الموضوع، وبالموهوم فيه، ومن جواز أن يكون كثير من شرائع الاسلام لم ينقل إلينا، إذ قد بطل ضمان حفظ الله تعالى فيها، وأيضا فإنه لا يعجز أحد أن يدعي في أي خبر شاء أنه منقول نقل التواتر، بل أصحاب الاسناد أصح دعوى في ذلك، لشهادة كثرة الرواة وتغير الاسانيد لهم بصحة قولهم في نقل التواتر وبالله تعالى التوفيق.
فإن لجأ لاجئ إلى أن يقول بأن كل خبر جاء من طريق الآحاد الثقات، فإنه كذب موضوع ليس منه شئ قاله قط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلنا وبالله تعالى التوفيق: هذه مجاهرة ظاهرة، ومدافعة لما نعلم بالضرورة خلافه، وتكذيب لجميع الصحابة أولهم عن آخرهم، ولجميع فضلاء التابعين، ولكل إنسان من العلماء جيلا بعد جيل، لان كل ما ذكرنا رووا الاخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك من أحد، واحتج بها بعضهم على بعض، وعملوا بها، وأفتوا بها في دين الله تعالى وهذا اطراح للاجماع المتيقن، وباطل لا تختلف النفوس فيه أصلا، لانا بالضرورة ندري أنه لا يمكن البتة في البنية أن يكون كل من ذكرنا لم يصدق قط في كلمة رواها، بل كلهم وضعوا كل ما رووا.
وأيضا ففيه إبطال الشرائع التي لا يشك مسلم ولا غير مسلم في أنها ليست في القرآن مبينة كالصلاة، والزكاة، والحج، وغير ذلك، وأنه إنما أخذ بيانها من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا القطع بأن كل صاحب من الصحابة، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه هو الواضع، والمخترع للكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، ولا يشك أحد على وجه الارض في أن كل صاحب من الصحابة قد حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أهله وجيرانه، وفي هذا إثبات وضع الشرائع على جميعهم، أولهم عن آخرهم، وما بلغت الروافض والخوارج قط هذا المبلغ، مع أنها دعوى بلا برهان،
وما كان كذلك فهو باطل بيقين، في ثلاثة أقوال كما ترى لا رابع لها.
إما أن يكون كل خبر نقله العدل عن العدل مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبا كلها أولها عن آخرها موضوعة بأسرها، وهذا باطل بيقين كما بينا، وإيجاب أن كل صاحب وتابع وعالم – لا نحاشي أحدا – قد اتفقوا على وضع الشرائع والكذب فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا انسلاخ عن الاسلام، أو يكون فيها حق وفيها باطل إلا أنه لا سبيل إلى تمييز الحق منها من الباطل لاحد أبدا، وهذا تكذيب لله تعالى في إخباره بحفظ الذكر المنزل، وبإكماله الدين لنا، وبأنه لا يقبل منا إلا دين الاسلام لا شيئا سواه.
وفيه أيضا فساد الدين واختلاطه بما لم يأمر به تعالى قط به، وأنه لا سبيل لاحد في العالم إلى أن يعرف ما أمره الله تعالى به في دينه مما لم يأمره به أبدا، وأن حقيقة الاسلام وشرائعه قد بطلت بيقين، وهذا انسلاخ عن الاسلام.
أو أنها كلها حق مقطوع على غيبها عند الله تعالى، موجبة كلها للعلم، لاخبار الله تعالى بأنه حافظ لما أنزل من الذكر، ولتحريمه تعالى الحكم في الدين بالظن والقول عليه بما لا علم لنا به، ولاخباره تعالى بأنه قد بين الرشد من الغي، وليس الرشد إلا ما أنزله الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وفي فعله، وليس الغي إلا ما لم ينزله الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهذا قولنا والحمد لله رب العالمين
……………………………..
كنت قد نشرت هذا الموضوع في منتدى آخر فاعترض البعض على الكلام قائلاً:

أريد ان أعرف هل من سلفٍ لابن حزم رحمه الله تعالى – قال باعتبار المرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم ، داخلة تحت ” الذكر ” في قول الله عز وجل ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ” ….. فإني أدَعي أنه أول من قال ذلك ، والمفسرون من سلف الأمة قبله قالوا أنه القرآن لا غير .
فمن كان يعلم غير ذلك فليعلمنا ، وجزى الله الجميع خيراً

وكذلك :

أرى أن لفظ “الذكر” محتمل ، ولاتقرر الأدلة القطعية و البراهين الصريحة بواسطة العبارات المحتملة : أي التي يجوز أن يدخل فيها معنى من المعاني بالاحتمال. وهذه قاعدة نافعة فيما أحسب سأتوسع بإذن الله في تفصيلها وضرب الأمثلة عليها وبيان كيف يمكن أن يستدل بها على ثبوت السنة أصلاً.

وهذا هو ردى:

الأخ الفاضل شريف
الذكر هو القرآن والحديث
وهناك العديد من الأدلة القاطعة
وبما أنك تريد سلفاً لابن حزم فهناك الصحابة وأذكر منهم ابن مسعود :
اقرأ صحيح البخاري
5595 – حدثنا إسحق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال
: لعن عبد الله الواشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله فقالت أم يعقوب ما هذا ؟ قال عبد الله وما لي لا ألعن من لعن رسول الله وفي كتاب الله ؟ قالت والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته قال والله لئن قرأتيه لقد وجدتيه { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }
إذن ما يأمر به النبي وينهى عنه هو من الذكر وكأنه مكتوب بين اللوحين
** أما عن الأدلة التى لا تكفى البعض ويريدون سلفاً في فهمها رغم وضوحها كالشمس:
راجع الإحكام (1-109) وسأنقلها لك :
قال الله عز وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * وقال تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * وقال تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم فصح أن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كله في الدين وحي من عند الله عز وجل، لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شئ أبدا تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه، إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبا وضمانه خائسا، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل، فوجب أن الدين الذي أتانا به محمد صلى الله عليه وسلم محفوظ بتولي الله تعالى حفظه، مبلغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبدا إلى انقضاء الدنيا قال تعالى ومن بلغ فإذ ذلك كذلك فبا لضروري ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شئ قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين، ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين، إذ لو جاز ذلك لكان الذكر غير محفوظ، ولكان قول الله تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * كذبا ووعدا مخلفا وهذا لا يقوله مسلم.
فإن قال قائل: إنما عنى تعالى بذلك القرآن وحده، فهو الذي ضمن تعالى حفظه
لسائر الوحي الذي ليس قرآنا.
قلنا له وبالله تعالى التوفيق: هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان، وتخصيص للذكر بلا دليل، وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * فصح أن لا برهان له على دعواه، فليس بصادق فيها، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن أو من سنة وحي يبين بها القرآن، وأيضا فإن الله تعالى يقول: * (بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) * فصح أنه عليه السلام مأمور ببيان القرآن للناس.
وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه، لكن بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان بيانه عليه السلام لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه، فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها، فما أخطأ فيه المخطئ أو تعمد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من هذا، وأيضا نقول لمن قال: إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يوجب العلم، وإنما يجوز فيه الكذب والوهم، وأنه غير مضمون الحفظ: أخبرونا هل يمكن عندكم أن تكون شريعة فرض أو تحريم أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة، فجهلت حتى لا يعملها علم يقين أحد من أهل الاسلام في العالم أبدا، وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطا لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الاسلام في العالم أبدا، أم لا يمكن عندكم شئ من هذين الوجهين ؟.
فإن قالوا: لا يمكنان أبدا، بل قد أمنا ذلك، صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبر رواه الثقة عن الثقة مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الديانة، فإنه حق قد قاله عليه السلام كما هو، وأنه يوجب العلم ونقطع بصحته، ولا يجوز أن
يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم قط اختلاطا لا يتميز فيه الباطل من الحق أبدا وإن قالوا: بل كل ذلك ممكن كانوا قد حكموا بأن الدين دين الاسلام قد فسد وبطل أكثره، واختلط ما أمر الله تعالى به مع ما لم يأمر به اختلاطا لا يميزه أحد أبدا، وأنهم لا يدرون أبدا ما أمرهم به الله تعالى مما لم يأمرهم به، ولا ما وضعه الكاذبون والمستخفون مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث، والذي لا يغني من الحق شيئا وهذا انسلاخ من الاسلام، وهدم للدين، وتشكيك في الشرائع.
ثم نقول لهم: أخبرونا إن كان ذلك كله ممكنا عندكم، فهل أمركم الله تعالى بالعمل بما رواه الثقات مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يأمركم بالعمل به ؟ ولا بد من أحدهما.
فإن قالوا: لم يأمرنا الله تعالى بذلك لحقوا بالمعتزلة، وسيأتي جوابهم على هذا القول إن شاء الله تعالى، وإن قالوا: بل أمرنا الله تعالى بالعمل بذلك قلنا لهم: فقد قلتم إن الله تعالى أمركم بالعمل في دينه بما لم يأمركم به مما وضعه الكذابون، وأخطأ فيه الواهمون، وأمركم بأن تنسبوا إليه تعالى وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم ما لم يأتكم به قط، وما لم يقله الله تعالى قط ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا قطع بأنه عز وجل أمر بالكذب عليه، وافترض العمل بالباطل، وبما ليس من الدين، وبما شرع الكذابون مما لم يأذن به الله تعالى وهذا عظيم جدا لا يستجيز القول به مسلم.
ثم نسألهم عما قالوا: إنه ممكن من سقوط بعض ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحكم في الدين بإيجاب أو تحريم حتى لا يوجد عند أحد، هل بقي علينا العمل به أم سقط عنا ؟ ولا بد من أحدهما، فإن قالوا: بل هو باق علينا.
قلنا لهم: كيف يلزمنا العمل بما لا ندري وبما لم يبلغنا ولا يبلغنا أبدا.
وهذا هو تحميل الاصر والحرج والعسر الذي قد آمننا الله تعالى منه.
وإن قالوا: بل سقط عنا العمل به، قلنا لهم: فقد أجزتم نسخ شرائع من شرائع الاسلام مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي محكمة ثابتة لازمة، فأخبرونا من الذي نسخها وأبطلها، وقد مات صلى الله عليه وسلم وهي لازمة لنا غير منسوخة ؟ وهذا خلاف الاسلام والخروج منه جملة.
فإن قالوا: لا يجوز أن يسقط حكم شريعة مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لازم لنا ولم ينسخ.
قلنا لهم: فمن أين أجزتم هذا النوع من الحفظ في الشريعة ؟ ولم تجيزوا تمام الحفظ للشريعة في ألا يختلط بها باطل لم يأمر الله تعالى به قط، اختلاطا لا يتميز معه الحق الذي أمر الله تعالى به من الباطل الذي لم يأمر به تعالى قط ؟ وهذا لا مخلص لهم منه، ولا فرق بين من منع من سقوط شريعة حق وأجاز اختلاطها بالباطل، وبين من منع من اختلاط الحق في الشريعة بالباطل، وأجاز سقوط شريعة حق، وكل هذا باطل لا يجوز البتة وممتنع قد أمنا كونه ولله الحمد، وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد العدل عن قد أمنا كونه ولله الحمد وإذا صح هذا فقد ثبت يقينا أن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مقطوع به موجب للعمل والعلم معا.
وأيضا قال الله تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم) * وقد قال تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس نسألهم هل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنزل الله إليه أو لم يبين ؟ وهل بلغ ما أنزل الله إليه أو لم يبلغ ؟ ولا بد من أحدهما، فمن قولهم إنه عليه السلام قد بلغ ما أنزل الله إليه وبينه للناس، وأقام به الحجة على من بلغه، فنسألهم عن ذلك التبليغ وذلك البيان: أهما باقيان عندنا وإلى يوم القيامة ؟ أم هما
غير باقيين ؟ فإن قالوا: بل هما باقيان وإلى يوم القيامة رجعوا إلى قولنا، وأقروا أن الحق من كل ما أنزل الله تعالى في الدين مبين مما لم ينزله، مبلغ إلينا وإلى يوم القيامة، وهذا هو نص قولنا في أن خبر الواحد العدل عن مثله مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مقطوع على مبينه موجب للعلم والعمل.
وإن قالوا: بل هما غير باقين، دخلوا في عظيمة وقطعوا بأن كثيرا من الدين قد بطل، وإن التبليغ قد سقط في كثير من الشرائع، وأن تبيين رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثير من الدين قد ذهب ذهابا لا يوجد معه أبدا، وهذا هو قول الروافض بل شر منه، لان الروافض ادعت أن حقيقة الدين موجودة عند إنسان مضمون كونه في العالم، وهؤلاء أبطلوه من جميع العالم، ونعوذ بالله من كلا القولين.
وأيضا فإن الله تعالى قال: قل انما حرم ربى الفواحش ما طهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحقى وان تشر كوا بالله ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * وقال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاء هم من ربهم الهدى) * وقال تعالى: إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * وقال تعالى ذاما لقوم قا لوا إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) * وقال تعالى: قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) *.
وقد صح أن الله تعالى افترض علينا العمل بخبر الواحد الثقة عن مثله مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نقول أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، وقال عليه السلام كذا، وفعل عليه السلام كذا، وحرم القول في دينه بالظن، وحرم تعالى أن نقول عليه إلا بعلم.
فلو كان الخبر المذكور يجوز فيه الكذب، أو الوهم لكنا قد أمرنا الله تعالى بأن نقول عليه ما لا نعلم، ولكان تعالى قد أوجب علينا الحكم في الدين بالظن الذي لا نتيقنه، والذي هو الباطل
الذي لا يغني من الحق شيئا، والذي هو غير الهدى الذي جاءنا من عند الله تعالى، وهذا هو الكذب والافك والباطل الذي لا يحل القول به، والذي حرم الله تعالى علينا أن نقول به، وبالتخرص المحرم فصح يقينا أن الخبر المذكور حق مقطوع على غيبه، موجب للعلم والعمل معا، وبالله تعالى التوفيق.
وصار كل من يقول بإيجاب العمل بخبر الواحد، وأنه مع ذلك ظن لا يقطع بصحة غيبه، ولا يوجب العلم – قائلا بأن الله تعالى تعبدنا أن نقول عليه تعالى ما ليس لنا به علم، وأن نحكم في ديننا بالظن الذي قد حرم تعالى علينا أن نحكم به في الدين، وهذا عظيم جدا.
وأيضا فإن الله تعالى يقول: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا وقال تعالى ومن بينع غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وقال تعالى ان الدين عند الله الاسلام وما اختلف الدين أو تو الكتاب الا من بعد ما جاء هم العلم بغيا بينهم وقال تعالى كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه قال أبو محمد فنقول لمن جوز ان يكون ما امر الله تعالى به نبيه عليه عليه السلام من بيان شريعة الاسلام لنا غير محفوظ، وإنه يجوز فيه التبديل، وأن يختلط بالكذب الموضوع اختلاطا لا يتميز أبدا: أخبرونا عن إكمال الله دينا ورضاه الاسلام لنا دينا، ومنعه تعالى من قبول كل دين حاشا الاسلام، أكل ذلك باق علينا ولنا إلى يوم القيامة ؟ أم إنما كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم فقط ؟ أم لا للصحابة ولا لنا ؟ ولا بد من أحد هذه الوجوه.
فإن قالوا: لا للصحابة ولا لنا، كان قائل هذا القول كافرا لتكذيبه الله تعالى جهارا وهذا لا يقوله مسلم، وأن قالوا: بل كان كل ذلك باق لنا وعلينا إلى يوم القيامة صاروا إلى قولنا ضرورة، وصح أن شرائع الاسلام كلها كاملة، والنعمة بذلك علينا تامة، وأن دين الاسلام الذي ألزمنا الله تعالى اتباعه لانه هو الدين عنده عز وجل متميز عن غيره الذي لا يقبله الله تعالى من أحد، وأننا ولله الحمد قد هدانا الله تعالى له، وأننا على يقين من أنه الحق وما عداه هو الباطل، وهذا برهان ضروري قاطع على أنه كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين، وفي بيان ما يلزمنا محفوظ لا يختلط به أبدا ما لم يكن منه وإن قالوا: بل كان ذلك للصحابة رضي الله عنهم، وليس ذلك لنا ولا علينا كانوا قد قالوا الباطل وخصصوا خطاب الله تعالى بدعوى كاذبة، إذ خطابه تعالى بالآيات التي ذكرنا عموم لكل مسلم في الابد، ولزمهم مع هذه العظيمة أن دين الاسلام غير كامل عندنا، وأنه تعالى رضي لنا منه ما لم ينبته علينا، وألزمنا ما لا ندري أين نجده، أو ألزمنا ما لم ينزله، وافترض علينا اتباع ما كذبه الزنادقة والمستخفون، ووضعوه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أو وهم فيه الواهمون مما لم يقله نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا بيقين ليس هو دين الاسلام، بل هو إبطال الاسلام جهارا، ولو كان هذا – وقد أمنا ولله الحمد أن يكون – لكان ديننا كدين اليهود والنصارى الذي أخبرنا الله تعالى أنهم كتبوا الكتاب وقالوا هو من عند الله.
قال أبو محمد: حاشا لله من هذا، بل قد وثقنا بأن الله تعالى صدق في قوله فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه وأنه تعالى قد هذا نا للحق فصح يقينا أن كل ما قاله عليه السلام فقد هدانا الله تعالى له وأنه الحق المقطوع عليه، والعلم المتيقن الذى لا يمكن امتزاجه بالباطل أبدا.
قال على: وقال بعضهم إذا انقطعت به الاسباب خبر الواحد يوجب علما ظاهرا قال أبو محمد: وهذا كلام لا يعقل، وما علمنا علما ظاهرا غير باطن، ولا علما باطنا، غير ظاهر، بل كل علم تيقن فهو ظاهر إلى من علمه وباطن في قلبه معا.
وكل ظن يتيقن فليس علما أصلا، لا ظاهرا ولا باطنا، بل هو ضلال وشك وظن محرم القول به في دين الله تعالى ونقول لهم: إذا جاز عندكم أن يكون كثير من دين الاسلام قد اختلط بالباطل، فما يؤمنكم إذ ليس محفوظا من أنه لعل كثيرا من الشرائع قد بطلت، لانها لم ينقلها أحد أصلا ؟ فإن منعوا من ذلك لزمهم المنع من اختلاطها بما ليس منها، لان ضمان حفظ الله تعالى يقتضي الامان من كل ذلك.
وأيضا فإنه لا يشك أحد من المسلمين قطعا في أن كل ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من شرائع الدين واجبها وحرامها ومباحها، فإنها سنة الله تعالى، وقد قال عز وجل ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا هذا نص كلامه تعالى.
وقد قال تعالى لا تبديل لكلمات الله فلو جاز أن يكون ما نقله الثقات الذين افترض الله تعالى علينا قبول نقلهم والعمل به القول بأنه سنة الله تعالى وبيان نبيه عليه السلام يمكن في شئ منه التحويل أو التبديل، لكان إخبار الله تعالى بأنه لا يوجد لهما تبديل ولا تحويل كذبا، ولكانت كلماته كذبا، وهذا ما لا يجيزه مسلم أصلا، فصح يقينا لا شك فيه أن كل سنة سنها الله تعالى من الدين لرسوله صلى الله عليه وسلم.
وسنها رسوله عليه السلام لامته، فإنها لا يمكن في شئ منها تبديل ولا تحويل أبدا وهذا يوجب أن نقل الثقات في الدين يوجب العلم بأنه حق كما هو عند الله تعالى، وقولنا ولله الحمد.
وأيضا: فإنهم مجمعون معنا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم من الله تعالى في البلاغ في الشريعة، وعلى تكفير من قال ليس معصوما في تبليغه الشريعة إلينا.
فنقول لهم: اخبرونا عن الفضيلة بالعصمة التي جعلها الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في تبليغه الشريعة التي بعث بها ؟ أهي له عليه السلام في إخباره الصحابة بذلك فقط ؟ أم هي باقية لما أتى به عليه السلام في بلوغه إلينا وإلى يوم القيامة ؟ فإن قالوا: بل هي له عليه السلام مع من شاهده خاصة لا في بلوغ الدين إلى من بعدهم.
قلنا لهم: إذا جوزتم بطلان العصمة في تبليغ الدين بعد موته عليه السلام، وجوزتم وجود الداخلة والفساد والبطلان والزيادة والنقصان والتحريف في الدين، فمن أين وقع لكم الفرق بين ما جوزتم من ذلك بعده عليه السلام ؟ وبين ما منعتم من ذلك في حياته منه عليه السلام ؟ فإن قالوا: لانه كان يكون عليه السلام غير مبلغ ما أمر به، ولا معصوم، والله تعالى يقول: * (يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) * قيل لهم: نعم وهذا التبليغ المعترض عليه – والذي هو فيه عليه السلام معصوم بإجماعكم معنا من الكذب والوهم – هو إلينا كما هو إلى الصحابة رضي الله عنهم ولا فرق، والدين لازم لنا كما هو لازم لهم سواء بسواء فالعصمة واجبة في التبليغ للديانة باقية مضمونة ولابد إلى يوم القيامة كما كانت قائمة عن الصحابة رضي الله عنهم سواء بسواء.
ومن أنكر هذا فقد قطع بأن الحجة علينا في الدين غير قائمة والحجة لا تقوم بما لا يدرى أحق هو أم باطل كذب ؟.
ثم نقول لهم وكذلك قال تعالى: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا فمن يقبل منه قد تبين الرشد
من الغى فإن اعوا إجماعا قلنا لهم من الكرامية من يقول انه عليه السلام غير معصوم في تبليغ الشريعة.
فإن قالوا: ليس هؤلاء ممن يعد في الاجماع، قلنا: صدقتم، ولا يعد في الاجماع من قال: إن الدين غير محفوظ، وإن كثيرا من الشرائع ا لتي أنزل الله تعالى قد بطلت واختلطت بالباطل الموضوع والموهوم فيه اختلاطا لا يتميز معه الرشد من الغي ولا الحق من الباطل ولا دين الله تعالى من دين إبليس أبدا.

اسباب عدم تراجع المخالف للظاهرية عن منهجه؟

اسباب عدم تراجع المخالف للظاهرية عن منهجه؟
______________________________________
سَببٌ مِن الأسباب الرئيسية التي تحول بين المخالف للظاهرية وبين عدم تراجعه عن نهجه الباطل، واللهُ أعلم – هو أنَّ المخالف للظاهريةيُصْدَم مِن هَوْل الكارثة التي كان يعيش معها منذ زمن طويل: هل كنت أعتقد اعتقادا باطلا منذ عشرين سنة مثلا؟
أو: لقد درست عِلم الشريعة وأُصول الدين في الجامعة، وعند العلّامة الدكتور فلان، أو الشيخ المفتى فلان فهل يُعقل أن تكون منهجه فاسد؟
أنا شيخ وإمام مسجد منذ حوالي عشرين سنة مثلا ، وأُدَرِّس الدين، وما قال اللهُ وما قال الرسول عليه الصلاه والسلام ، فهل يُعقل أنْ أكون على باطل ؟ لا وألف لا. كيف أكون على باطل وأنا قد تخرّجت على كتب “شيخ الإسلام” أو الإمام فلان الذي هو «أكبر آيات الله في خلقه ** ، به حفظ اللهُ العقيدة الصحيحة والشريعة وأحكام الدين، هل يُعقل أن يكون “شيخى أو إمامى” على باطل ؟ وهل …. وهل … وهل…؟ كُلُّ هذه التّساؤلات، وغيرها، تخطر على بال المخالف للظاهرية وتحول دون تراجعه ولكن، أين أنت مِن قول الله: (وَقِفُوهُمْ إنّهُم مَّسْئولونَ) ، ماذا ستجيب إن سُئلت عن خطئك وعدم رجوعك بعد معرفة الحق؟ هل ستجيب: قال ابن تيمية، وقال ابن القَيِّم الجَوْزيّة، وقال ابن باز، وقال النووى وقال أبو حنيفة وقال مَن قال … وأنا اتّبعتهم؟! وأنا الآن أسألك وأنت ما زلت على قيد الحياة: وماذا قال مَن سبقهم مِن السَّلف الصالح كابن عباس وابن عمر أو الخلفاء الراشدين وغيرهم فلماذا لا تتبعهم؟!
انج بنفسك ودعك من أقوال من تجعلهم حجة بينك وبين الله بغير حجة أو دليل …فالحجة هى ما ألزمك الله بك فقط وهى الكتاب والسنة ….

كيف انحرفت السلفية المعاصرة عن منهجها؟

كيف انحرفت السلفية المعاصرة عن منهجها؟
الجواب في هذا المقال لأحد المنتسبين إلى السلفية 
احتواء السلفيين .. واستلاب العقول ..!! بقلم : أحمد مولانا عضو المكتب السياسي للجبهة السلفية

انبعث المنهج السلفي بقوة في النصف الثاني من القرن العشرين ليحرر العقول والنفوس من أسر التقليد المذهبي القائم على اتباع الأراء الفقهية المرسلة الغير مبنية على أدلة شرعية صحيحة ، وليخلصها من منهج الاتباع الصوفي القائم على نظرية “شيخ الطريقة والمريدين” الذين يتبعون الشيخ وينفذون أوامره دون النظر لمدى موافقتها أو مخالفتها للأدلة الشرعية .

وأدى هذا المنهج السلفي المبارك إلى إحياء الاتباع السني المبني على الدليل الشرعي ، مما أثمر نهضة فكرية وعلمية وعقلية ونفسية في صفوف أبناء الحركة الإسلامية توجت بظهور الصحوة الإسلامية المعاصرة كلاعب أساسي يؤدي دوراً هاماً وبارزا ً في تبني قضايا الأمة والدفاع عنها.

ولكن سرعان ما انتبهت الجاهلية لهذا المنهج الإحيائي وسعت لإحتوائه وحرفه عن مساره بواسطة سياسة تقوم على عدة محاور من أبرزها ” إحتواء الفكر عن طريق السيطرة على الرموز” ليتم تغيير المنهج بشكل قمي تنازلي بدءاً من الرموز وانتهاءاً بالأفراد حيث تم شن حملات أمنية ودعائية تشويهية مكثفة ضد الرموز المؤثرة لتغييبها عن صدارة المشهد الدعوي، حيث منعها الأمن من إلقاء الدروس والخطب ،وسيطر على مساجدها ، وصادر اصدارتها المكتوبة والمسموعة ، ومنعها من الظهور في الفضائيات فاختفت من الساحة أسماء مشائخ كمحمد عبدالمقصود ونشأت أحمد وفوزي السعيد ومحمد المقدم وهشام عقدة ورفاعي سرور ، بينما سمح بالتواجد القوي لشخصيات أخرى بعضها محترم ولكنه يتبنى قضايا لا تؤثر على مجريات الأحداث وديمومة الظلم ، و البعض الاخر يتبنى اطروحات تكرس لهيمنة الباطل وتضفي الشرعية على وجوده ، وتثبط الناس عن إزالته وتغييره.

•الترويج لمعايير جديدة يتم من خلالها تقييم الرموز ، فظهرت معايير الشهرة الإعلامية واللغة الخطابية كبدائل لمعايير العمل بالعلم والصدع بالحق وتبني قضايا الأمة ، وصار مجرد الظهور المتكرر في البرامج الفضائية والكلام الفصيح المصحوب بابتسامات متواصلة أو بكاء مصطنع عوامل كافية لنيل الرمزية المطلوبة بالرغم من هشاشة المضمون وهامشية الطرح.

•ومن أخطر الخطط التي نفذت استبدال أطروحة ” اتباع الدليل” بأطروحة” تقديس المشائخ” ، ونفذت هذه الخطة بأسلوب ماكر وبسيط يقوم على فكرة أن الذي يعرف الأدلة الشرعية هو الشيخ ، لذا يجب أن نتبع الشيخ لأننا لن نعرف الأدلة أكثر منه ، ولما وُضعت من قبل معايير مصطنعة يقُوم من خلالها الرموز والمشائخ ، تقفز على المعايير المعروفة و المذكورة في كتب أصول الفقه، وتتخذ الشهرة الإعلامية مرتكزاً لها ، صار قطاع واسع من المشائخ المشهورين إعلاميا والمسموح بتواجدهم أمنياً هم مصدر التلقي الذي يتعرف منه الأفراد على دينهم وينزلون على أرائهم في النوازل والمستجدات ، وبهذه الحيلة تمت السيطرة على أقوى ركائز الفكر السلفي المتمثلة في أطروحة ” اتباع الدليل” ، وتمت العودة لمربع أسوأ من المربع القديم الذي كانت تقدس فيه أراء أئمة من أهل العلم المتقدمين المشهود لهم بالتقوى، وليُصار لتقديس أراء أحياء لا تؤمن عليهم الفتنة إن لم تكن أقوال وتصرفات بعضهم في ذاتها فتنة، وليتم استلاب ومصادرة عقول قطاعات واسعة من الأفراد بواسطة أطروحات فاسدة ،مما انتج اتباع يواجهون أصحاب أي مشاريع إصلاحية تغييرية بعدد من الأسئلة المنمطة تم زرعها في النفوس والعقول بطريقة لا شعورية ممنهجة ومن أبرزها :

من زكاك من المشائخ المشهورين؟

و هذا السؤال يتجاوز أصل شرعي هام، وهو “قبول الحق من أي كان ” حتى لو كان قائله هو الشيطان نفسه ، لأن الحق قيمته ذاتية تنبع منه نفسه لا من قائليه ، دل على ذلك أحاديث عديدة ومواقف متنوعة من حياة الخلفاء الراشدين:

- فقد روى الإمام البخاري في صحيحه قصة أبي هريرة مع إبليس، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأبي هريرة : ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: يا رسول الله! زعم أنه يعلمني كلماتٍ ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: وما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم) “البقرة:255″ وقال لي( ابليس): لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبح -وكانوا أحرص شيءٍ على الخير- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، أتعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة ؟ قال: لا. قال: ذاك الشيطان).

- وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحق من حبر يهودي : فعن قتيلة بنت صيفي الجهينية قالت: أتى حبر من أحبار اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، نعم القوم أنتم، لولا أنكم تشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سبحان الله وما ذاك ؟! ” قال : تقولون إذا حلفتم والكعبة. قالت: فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم قال : ” إنه قد قال، فمن حلف فليحلف برب الكعبة ” قال : يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً ، قال صلى الله عليه وسلم : ” سبحان الله ، وما ذاك ؟! قال تقولون ما شاء الله وشئت . قالت فأمهل رسول الله صلى الله شيئاً ثم قال : ” إنه قد قال، فمن قال : ما شاء الله فليفصل بينهما ثم شئت ) رواه النسائي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1 / 213 “.

‎- وقبل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الحق من امرأة عارضته في مسألة تحديد المهور وهو في خطبته على ملأ من الناس، فقال: “اصابت امرأة واخطأ عمر ” … ولم يسألها رضي الله عنه : من أنت ؟ من زكاك من أهل العلم؟.

- و تأمل قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لحارث بن حوط حينما سأله : أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل؟ : يا حارث! إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله”.

لذا تجب مناقشة الأطروحة ذاتها والفكرة نفسها ،لا أن يتم تجاهلها لحين التعرف على قائلها وخلفياته، مع التأكيد على عدم إهمال هذه الخلفيات لقوله صلى الله عليه وسلم ” صدقك وهو كذوب”.

ما هي حصيلتك العلمية؟

و هذا السؤال يتجاهل أيضاً مسألة علمية هامة وهى ” تجزؤ العلم” فلا يلزم للتكلم في مسألة سوى العلم بها ، وبما يتعلق بها من مسائل ، لا العلم بغيرها من المسائل، حيث يقول العلامة ابن القيم في “اعلام الموقعين

“الاجتهاد حالة تقبل التجزؤ والانقسام، فيكون الرجل مجتهدا في نوع من العلم مقلدا في غيره، أو في باب من أبوابه، كمن استفرغ وسعه في نوع من العلم بالفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيرها من العلوم، أو في باب الجهاد أو الحج، أو غير ذلك، فهذا ليس له الفتوى فيما لم يجتهد فيه، ولا تكون معرفته بما اجتهد فيه مسوغة له الإفتاء بما لا يعلم في غيره، وهل له أن يفتي في النوع الذي اجتهد فيه؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها الجواز، بل هو الصواب المقطوع به. والثاني: المنع. والثالث: الجواز في الفرائض دون غيرها.

من أنا حتى استطيع فهم الدليل أو التعامل معه مباشرة ؟

قائل هذاالسؤال لا يستطيع حسب كلامه فهم الدليل ، لذا يُعد مقلداً ، والمقلد لا يجوز له نقل الفتوى لغيره بل عليه العمل بها في نفسه فقط، فعلى سبيل المثال إذا أفتاه الشيخ فلان بعدم جواز المظاهرات عليه ألا يشارك فيها بنفسه لا أن يدعو الناس لعدم المشاركة ، لأنه بذلك يتعدى حدوده كمقلد ، ،يقول ابن القيم في “أعلام الموقعين” (لا يجوز للمقلد ان يفتي في دين الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة فيه سوى انه قول من قلده دينه هذا إجماع من السلف كلهم )، ولا يجوز له من باب أولى التشنيع على أصحاب الاجتهادات المخالفة من أهل العلم لأنه ليس نداً لهم ليناقشهم أو ينتقص منهم

تداعيات هيمنة أطروحة ” تقديس المشائخ”:

أنتجت هذه الأطروحة قطاعات سلفية لا تتحرك لنصرة قضايا الأمة إلا إذا قال لهم الشيخ المشهور فلان أو علان بالرغم من وضوح الأدلة الشرعية في هذه القضايا ، فغابت الألوف عن المشاركة في الأحداث المفصلية والهامة مثل :

•ثورة يناير التي قامت لاسقاط طاغية يحكم بالحديد والنار، ويكتوي الإسلاميون بظلمه أكثر من غيرهم

•قضية مقتل سيد بلال ومن قبله قضية مقتل خالد سعيد، ولنتأمل كيف حملت الأجيال المصرية الشبابية قضية خالد سعيد واخرجتها للعلن ،وجعلته رمزاً للمظلومين، بينما غيب بعض الاسلاميين قضية سيد بلال وعملوا على دفنها مع جثمانه ليطويه ويطويها النسيان.

•قضايا المختطفات من المسلمات الجدد مثل كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين، والتي تمثل في ذاتها قضايا إنسانية ذات فصول مأساوية ، فضلاً عن أبعادها الشرعية التي تستدعي للذاكرة مفاهيم الولاء والبراء ونصرة المظلوم.

•نصرة المظلومين من المعتقلين ، والمطالبة بمقاضاة ضباط التعذيب ومنتهكي حقوق البشر.

بل وصل الأمر إلى الجمع بين المتناقضات دون أن يثير ذلك تساؤلات في أذهان الأفراد : حيث تحول بعض المشهورين من القول ببدعية المظاهرات جملة وتفصيلاً إلى التحريض على المشاركة في مظاهرات للدفاع عن أحد المشائخ الفضلاء من أصحاب المواقف القوية الذابة عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يطرحوا تأصيلا جديدا ينقض التأصيل السابق لحرمة المظاهرات وبدعيتها ، و فجأة تحول مبارك بعد سقوطه من ولي أمر شرعي لا يجوز الخروج عليه إلى فرعون العصر.

ختاماً :

إن قطاعات واسعة من التيار السلفي تحتاج لاستثمار فترة الحرية الحالية لإجراء مراجعات حرة في ظروف صحية لا تخضع لضغوط أمنية أو مجتمعية لتصحيح منظومة المصالح والمفاسد المعوجة التي انتجت مواقف مشينة و مخزية ، ولتعيد لأطروحة ” اتباع الدليل” رونقها ،ولتهدم مرة أخرى أطروحة ” تقديس المشائخ”، ولتعمل على بناء شخصيات سلفية حرة تتفاعل مع قضايا الأمة وتستشعر آلامها وتحمل أمالها وتسعى لنهضتها لتؤدي دورها المطلوب في قيادة البشرية لبر الأمان.

قرارات واختيارات الإنسان وأثرها على نفسه أو غيره

يتعرض الإنسان في حياته لمواقف معينة تحدد قراراته فيها مصيره إلى سنوات وعقود من عمره، أو إلى نهاية حياته، وربما تؤثر على غيره من أفراد أسرته ومجتمعه، وربما حددت قرارات القادة والعلماء والدعاة وزعماء الطوائف مصير أمتهم وطائفتهم إلى أجيال متتابعة، وربما قرون، وربما إلى يوم القيامة.
وفي الحديث : (لو تابعني عشرة من اليهود ما بقي على ظهرها يهودي إلا أسلم) رواه الشيخان واللفظ لمسلم، فكان قرار الثمانية أو التسعة من أحبار اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، رغم أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ورغم وجود القدوة الصالحة فيهم كعبد الله بن سلام -رضي الله عنه- الذي بادر بالإيمان أول ما ظهر له الحق-، كان قرارهم قراراً مصيرياً حدد مصيرهم ومصير أمتهم في الدنيا والآخرة إلى يوم القيامة.
وتأمل في قرارات مجمع نيقية الأول، وما اعتمده الأحبار والرهبان فيه من عقيدة التثليث، وألوهية المسيح، والصلب والفداء، واعتماد الأناجيل المحرفة دون غيرها، كيف كان أثره هائلاً في ملايين ملايين البشر عبر التاريخ، فضلاً عن مصير هؤلاء الأحبار والرهبان والملوك أنفسهم. “
الكبر والعجب والهوى والطمع في الرياسة أو المال أو الشهرة تكون دفينة في أعماق النفوس محركة للدوافع“
آه لو عقل هذا أول من أحدث الرأي في هذه الأمة !
ماذا لو سكت أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو يوسف واحتفظوا بفكرهم لأنفسهم وتركوا الأمة وشأنها متمسكة بالنص وبهدي السلف الأول
وماذا لو لم يستغل أبو يوسف أمر الخليفة العباسي بتوليته القضاء لنشر مذهب إمامه
وماذا لو ترك الإمام مالك الرأي في فتاواه كما ندم في آخر عمره وتمنى لو ضرب بالسياط ولم يفت بالرأي
وماذا لو سكت متكلمة الشافعية كالجويني وأمثاله ولم يدعوا جهلاً وزوراً أن النصوص لا تكفي عشر معشار الحوادث
وماذا لو سكت ابن العربي المالكي عن سب أئمة النص وتنقيصهم وتعالج من الحقد الذي كان يعاني منه وجنب السفهاء من بعده ترديد كلامه وتنقص أهل النص
وماذا لو سكت النووي والجويني وغيره عن ترديد مقولة أن أتباع النص لا يعتد بخلافهم ونفر الجهلة من بعده من الاستماع لهم !
وماذا لو تابع شيوخ الدعوة الوهابية إمامهم ابن عبد الوهاب رحمه الله وتمسكوا بفقه الدليل ولم يخافوا من الجمهور واتهاماته وتقهقروا إلى الحنبلية ثم صار من بعدهم حرباً على النص وظاهره
دعاة ومنتسبون إلى العلم يلقون بكلمة تضلهم وتضل الكثير من بعدهم
اللهم غفرانك وعفوك وهدايتك وحسن خاتمتك

 

عن البدون الفقهاء أتحدث!

عن البدون الفقهاء أتحدث!

البدون لمن لا يعرف معناها :هم مواطنون كويتيون لاتعترف بهم الحكومة الكويتية ولاتعطيهم الجنسية الكويتية منذ أكثر من ثلاثين عاما هناك .

أما (البدون) الفقهاء فهم أهل النص الذين لايعترف بهم فقهاء المذاهب الأربعة وغيرها من المذاهب إلا في مقامات التخويف والارهاب والاتهامات المعلبة كالاتهام بالبول في الماء الراكد والغناء وضرب الوالدين وأنهم ليسوا من أهل الصنعة الحديثية التى تزعم تمييز علل الحديث بالكهانة.

يستطيع الأخ (فلان الأزهري) وهو من الأغلبية الأشعرية الوسطية المصرية المزعومة أن يدافع عن رأيه في الصحف والفضائيات وندوات الجامعات وينتقد بكل عنف من يتحاكم إلى النص واليقين فقط ويترك الظنون والمصالح وربما يستطيع بعد ذلك أن ينادي بالديموقراطية وينام قرير العين بعد أن صارمن أنصار الحرية والكفاءة الفقهية والمقاصدية والمآلات والخزعبلات!

يستطيع السيد فلان الأزهري أن يلقب نفسه بـ(تلميذ الشيخ الشهيد عماد عفت) ويبارز الجميع بزيه ومظهره الأزهري بعمامة الأزهر و(الجبة والقفطان) وهو يشجب بقوة أولئك السذج الذين يهتمون بالمظهر أو يتحاكمون إلى اليقين من الأدلة ويؤصلون لفقه القشور وينسون جوهر اللباب … بل يستطيع السيد الأزهري (أدام الله ظله) أن ينصب نفسه كاهنا في (كنيسة الأزهر الجديدة) ويعطي صكوك الحرمان الفقهية ويختمها بخاتم (مخالفة المذاهب الأربعة) لكل من لايتبني هذه المذاهب الفقهية ويخالفها أو يخالف طريقتها في استخراج الأحكام

يستطيع الشيخ فلان بغترته الحنبلية ومظهره السلفى التيمي أن يتكلم فيما يشاء ويعتقد أنه من أصول الدين ولو كان حديث الشاب الأمرد الذى يرتدى نعلين من الذهب أو الخوض في صفة الهرولة أو إكساب العادات القبلية المخالفة لصحيح الشرع صفة المشروعية مستدلاً بالعرف ليضمن ولاء القبائل لدولته المترامية الأطراف أو يبرر طاعة حكامه بادعاء إجماع على طاعة ولي أمر لص أو داعر!

بينما لايستطيع (البدون المتفقهة) أن يفعلوا أي شيء .. حتى لو أمضوا عمرهم كله في حفظ القرآن والأحاديث الصحيحة وتمييز صحيحها من سقيمها وتعلم لغة القرآن وأصول الفقه الصحيحة هذه العلوم والنظرة اليقينية للأحكام الشرعية ليست كافية لتحصل علي صك الفقه من كهنة الكنيسة الجديدة …أما غدوات الأخ الأزهري حيث يدرس بالجامعة الامريكية إلي الجامع الأزهر كافية تماما ليتغير دمه إلي الدم الأزهري المقدس وينال (حق الاعتراف) و(الجنسية الوسطية الازهرية المصرية الثورية) بينما يبقي مثلك (ظاهري متطرف) (بدون) ليس له اية حقوق.

ولايكفي علمك لدي سدنة المعبد لكي تنال حق الاعتراف .. وتظل (ظاهرياً ساذجاً تبول في الماء الراكد ثم تتوضأ به) و (بدون) ليس له أية حقوق.

أنت في كل الاحوال غير كفء مهما نلت من الشهادات العلمية .. أنت في كل الاحوال دخيل مهما تشابهت اجتهاداتك مع أقوال من يعظمونهم فما بالك لو خالفتها! ..

لن يشفع لك أي شيء ياعزيزي .. كل ماتفعله هباء ..

إياك أن تضعف وتبحث عن التوافق أو المرونة الأصولية ..

أنت أصلا مبتديء, جاهل مالم تقل بأقوال القوم وتعتقد مايعتقدون وتنطق بما ينطقون وتلهث بمايلهثون … فلن يرضي عنك الأزاهرة ولا العلمانيون ولا الحنابلة التيميون.. ستظل دائما (بدون).

تعيش وسط الناس , مثلهم تماما , يصيبك مايصيبهم , يسوؤك مايسوؤهم , تضحك معهم , وتبكي معهم , تثور معهم , تموت معهم , تلعب معهم ثم يأتي السيد (الأزهري) والمناضل (السلفى التيمي الحنبلي) ليتهموك بأنك (دخيل).

أنت المتهم الأول والأخير .. متهم حتي تثبت إدانته .. فإذا استحال اتهامه وعجزوا عن ادانته … فلا أقل من أسطوانة البول في الماء الراكد وضرب الوالدين ليرددوها في مواجهتك!

وأنت تعلم ياعزيزي أن أختام (الفقيه) و(الأصولي) و (طالب العلم) حرام علي (البدون)

مهما فعل أهل النص فلن يرضي عنهم الاعلام الأزهري أو التيمي فضلاً عن العلماني.. حتي لو اعتنقوا الديانة البرادعاوية الجديدة .. حتي لو تم تعميدهم في كنيسة (الأزهر الوسطى) بيد السيد صاحب العمامة أو تكلموا في الأسماء والصفات بكلام مجسمة القرن السابع فلن يمنحهم الأخ التيمي صاحب الغترة صك اتباع السلف… مهما فعلوا فلن ترضي عنهم النخب الفقهية …

نحن في حرب فكرية ياسادة … كل ما نسمعه عن التوافق وهم كبير.

مالم تؤمن بمذاهب القوم وتصلي صلواتهم وتجلس في (حضرات) الذكر الأزهرية أو ندوات التجسيم التيمية … لتردد أحاديث فلان وفلان من كبار علمائهم وتغريدات البرادعي وأفكار صباحي وتتبع السيد خالد يوسف وتؤمن بعبقرية السيدة المذيعة .. فستظل في كل الأحوال ظاهري جاهل ساذج وظلامي ومتخلف .

قناعتي أخي الحبيب متبع النصوص بوجوب اتخاذ مواقف لا تعرف المساومة أو التنازلات أى نختار المواقف الراديكالية-حسب اصطلاحهم- وأن يكون آخر أهدافنا هو البحث عن التوافق الذي لاسبيل إليه ولا إمكانية له .. ولا هدف له.

والله لو أن الأمر بيدي لنظمت من أهل النص حركة أو منظمة أو جبهة تتبني مايقتنعون به ولايهمها أي من الاعلام أو النخب الفقهية إسلاميها وعلمانيها ..

المجد للراديكالية … المجد للـ (البدون) الظاهرية.

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.